مملكة البحرين
وزارة التربية والتعليم
مدرسة مدينة عيسى الثانوية التجارية للبنين
قسم التربية الإسلامية
![]() |
إعداد أ. ياسر الجودر
مدرس التربية الإسلامية
بمدرسة مدينة عيسى الثانوية التجارية للبنين
الشرح
الموضوع: أثر الإيمان في تربية الفرد والمجتمع
ص: 105 - 111
@ الأهداف السلوكية:
* أن يعرف الطالب مما يتكون المجتمع وصفات التي تقوم عليها المجتمعات ومما يستمد ذلك.
* أن يلخص الطالب الآثار المترتبة على الفرد نتيجة العقيدة الصحيحة.
* أن يعدد الطالب أثر العقيدة الصحيحة على المجتمع المسلم.
* أن يستشعر الطالب أهمية العقيدة في حياة الفرد والجماعة.
* أن يفرق الطالب بين حياة المسلمين في العهود الماضية وبينها في هذا العصر.
@ عناصر الدرس:
@ تمهيد: يتكون المجتمع من مجموعة الأفراد، ونجد لكل مجتمع أو مجموعة من المجتمعات البشرية مزايا وصفات خاصة بها تميزها عن غيرها من المجتمعات، تنبثق مما هم عليه من عقائد وتقاليد وأعراف وعادات، وجهها الفكر وجهة معينة، وأسبغت عليها عقيدة المجتمع سمة واضحة، وطابعا خاصا؛ فكيف تعمل العقيدة على ترسيخ قيم معينة في الفرد والمجتمع ؟
إن للعقيدة تأثيرا كبيرا في حياة الأفراد وحياة المجتمعات، وما العقيدة إلا الإيمان بأمور توجه الأفعال وتحرك المشاعر وتضبط السلوك، وإننا لنلمس ذلك ونحسه في واقع الحياة، فكم من إنسان استعذب الموت، وأقبل عليه مبتسما، في سبيل عقيدة اعتنقها وآمن بها. وهذا عن العقيدة بوجه عام، وللعقيدة الإسلامية بوجه خاص دور متميز في صقل شخصية الفرد وبناء المجتمع، فما هو الدور وما تأثيره في تربية الفرد وبناء المجتمع ؟
@ أثر العقيدة الإسلامية في تربية الفرد:
(1) إن الإيمان يجعل الفرد يحس بقيمته في الحياة، ودوره الذي هيأه الله تعالى له:
فهو مخلوق لعمارة الأرض بالعمل والعبادة وهو خليفة الله تعالى فيها، وقد ميزه الله سبحانه على سائر المخلوقات حتى على الملائكة الذي لا يعصون الله ويفعلون ما يأمرهم به، قال تعالى ((وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ [البقرة: 34]))؛ فهذا التقدير والتكريم له، وتلك المكانة العظيمة التي أحلت العقيدة الإسلامية الإنسان فيها، كل ذلك يجعل الفرد يحس بدوره ومسئوليته في تقدم المجتمع وتطوره، والعمل الدائم على إصلاحه وهدايته.
(2) يحقق للفرد الطمأنينة النفسية والاتزان العاطفي والوجداني:
يعد هذا الأثر من أعظم آثار الإيمان على الإنسان، ولا يستطيع المرء أن يدرك عظمته إلا من خلال المقارنة بين إنسان مؤمن وآخر غير مؤمن:
N فتجد الفرد المؤمن صابرا محتسبا إذا ألمت به مصيبة في النفس أو المال أو الولد، فلا يصخب ولا يضجر، ولا يسب ولا يلعن، ولكن يرضى بقضاء الله تعالى وبقدره، ويعتبر ذلك اختبار لصدق إيمانه وثبات عقيدته، فينال ثواب الله تعالى الذي أعده للصابرين، وإذا كان هذه حالة المؤمن في حدوث ما يؤلم النفس ويزعجها، فإن حاله فيما يفرحها ويسرها كنجاح في امتحان أو ربح في تجارة أو غير ذلك، تكون على نفس المستوى من الثقة بالنفس والاتزان، فلا يخرجه الفرح عن طوره فيمارس أعمالا لا يرضي الله تعالى عنها وفي ذلك يقول صلى الله عليه وآله وسلم " عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله خير له، إن أصابته ضراء صبر كان خير له، وإن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، ولا يكون ذلك إلا للمؤمن “.
N أما الإنسان غير المؤمن فهو على النقيض من ذلك، فهو هلع جزع عند حدوث ما يؤلم، فيؤذي نفسه وغيره، ولا يغير من الحقيقة والواقع شيئا، وفضلا عن ذلك ينال غضب ربه وعقابه، وعدم تقدير الناس واحترامهم له.
وإذا كانت هذه حال غير المؤمن عند حدوث المكروه، فإن حاله عند الفرح لا تقل إساءة لنفسه وللآخرين عند حدوث المكروه، فهو كثير التبجح ويعزو كل نجاح لنفسه وقدراته، كثير الغرور لا يرى حسنا فيما يفعله الآخرون، يمارس في وقت فرحه أعمالا لا يرضى عنها ذو خلق، ولا يقبلها إنسان ذو عقل راجح وسليم.
(3) إن الإيمان بالله تعالى وبسائر أركان العقيدة الإسلامية، يحمل الفرد على التحلي بالأخلاق الفاضلة:
كالصدق والأمانة والبذل والتضحية والإيثار...وغير ذلك. وما أحوج المجتمع إلى هذه الأخلاق وما ينتج عنها من ممارسات فعلية ! فالإيمان يربي الإنسان على التقوى، لأنه يعلم بل يؤمن إيمانا لا يداخله أي شك بأن الله تعالى مطلع على تصرفاته وأعماله، فلا يقول إلا صدقا ولا يفعل إلا حقا فضلا عما يحدثه الإيمان في نفس صاحبه من رقة في التعامل وإرهاف في الإحساس، فلا يظلم ولا يسئ بل يحسن إلى الآخرين ويرحمهم، ولقد أخذ العالم اليوم يدرك أهمية التربية القائمة على الإيمان – لماذا؟ - لما تحدثه هذه التربية من انضباط في السلوك وتوجيهه توجيها ذاتيا من قبل صاحبه. فأخذت كثير من المنظمات التربية العالمية تنادي إلى إدخال ما يسمونه في الغرب بالتربية الأخلاقية – لماذا؟ - بسبب ما عانت منه مجتمعات الغرب ومؤسساته من ويلات وجرائم كانت تفقد الناس صوابهم . واقرأ معي في الكتاب ص 107 خبر (انقطاع التيار الكهربائي عن نيويورك في سنة 1977م).
(4) يعمل الإيمان على تحرير النفس البشرية من الخوف على الرزق والأجل :
ويصنع من الفرد المؤمن إنسانا مجاهدا لا يخشى الموت – لماذا ؟ - لأن الإيمان يغرس في قلب المؤمن من أول لحظة أن الرزق بيد الله وأنه مقدر من عنده سبحانه، وأنه لا يزيد ولا ينقص، قال تعالى ((إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ [الذاريات: 58]))؛ ويقرر الإيمان أيضا أن الأجل الإنسان مقدر لا يزيد بالجبن والخوف والتقاعس، ولا ينقص بالتضحية والشجاعة والإقدام قال تعالى ((أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ.. [النساء: 78])) وقال تعالى ((وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله كِتَاباً مُّؤَجَّلاً.. [آل عمران: 145])).
(5) يكفل الإيمان للمسلم عزة النفس واستعلاءها على كل مغريات الحياة:
فلا يذل نفسه من أجل منفعة دنيوية زائلة، كاكتساب مال أو الحصول على مركز أو تحقيق جاه، فهو لا يستعين إلا بالله، ولا يرجو أحد سواه، قال صلى الله عليه وآله وسلم " إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله “. فبالإيمان تتكون للفرد شخصية مستقلة متميزة في تصرفاتها، نموذجية في أخلاقها، ترجوا الثواب من الله سبحانه خالق الخلق، ويقدم للمجتمع كل ما تستطيع من خير، لا لتحصل على الثناء والشهرة وإنما من أجل مرضاة الله تعالى.
@ أثر الإيمان في تكوين المجتمع وتربيته: يتميز المجتمع الإسلامي عن سواه بأنه مجتمع رباني، يؤمن بشريعة الله ويطبقها في واقع الحياة، امتثالا لقوله تعالى (( شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ [الشورى: 13] ))، وما كان المجتمع الإسلامي ليتصف بصفة الربانية إلا بسبب الآثار الجوة التي أسبغها الإيمان عليه، ومن هذه الآثار:
1) أن الإيمان يجعل من المجتمع الإسلامي مجتمعا ذا رسالة يوجه بها ذاته:
ويحملها في الوقت نفسه إلى سائر المجتمعات البشرية لتهتدي بهدى الله وتستقيم على شريعته، قال تعالى ((وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ [سبأ: 28]))، وهذا الأثر العظيم يحقق للمجتمع الإسلامي صفة القيادة والريادة للمجتمعات الأخرى، فهو مجتمع فاعل ومؤثر، يقدم للبشرية الخير، ويقيها - إن أمنت به - عوامل الانحراف والزيغ والضلال.
2) يحرر المجتمع من الخضوع للأفكار والعقائد الزائفة:
ويحفزه على الانطلاق نحو البحث والاكتشاف والمعرفة، ليحقق وظيفته التي أرادها الله تعالى للإنسان وهي إعمار الأرض، والاستفادة من موجودات الكون وظواهره، وقد كان لهذا الأثر العظيم عبر تاريخ الأمة الإسلامية نتائج باهرة في مجال التقدم العلمي وانتهاج المنهج التجريبي، الذي يعترف علماء الغرب بأنهم أخذوه عن المسلمين، فهذا بريفولت يقول في كتابه ( بناء الإنسانية ) ما يلي: ( وليس لروجربيكون ولا لفرانسيس بيكون الذي جاء بعده الحق في أن ينسب الفضل إليهما في ابتكار المنهج التجريبي، فلم يكن روجر بيكون إلا رسولا من رسل العلم والمنهج الإسلاميين إلى أوربا المسيحية ).
3) يقيم الإيمان مجتمعا قويا متماسكا، ومتكاملا متعاونا:
يساعد فيه الغني الفقير، ويعطف فيه الكبير على الصغير، ويعين القوي الضعيف، ويعلم العالم الجاهل، كما أنه مجتمع متآلف متحاب يحب كل فرد فيه لأخيه ما يحب لنفسه. فأين مجتمعات اليوم من هذه الصفات التي يتصف بها المجتمع القائم على الإيمان ؟
4) يوجد الإيمان مجتمع الفضيلة القائم على العفة والطهر والنقاء في ظاهره وباطنه:
وهو المجتمع الذي دعا إليه الفلاسفة والمفكرون عبر التاريخ البشري، ولكنهم عجزوا عن تحقيقه، إلا أن العقيدة الإسلامية التي أنعم الله تعالى بها على البشرية قد جعلت من الممكن إقامة المجتمع الفاضل.
فالمجتمع الإسلامي هو مجتمع القدوة والأسوة، وهو المجتمع النموذج في أخلاقة، من صدق وتعاون، وإيثار ومحبة، وعفة واحتشام...الخ.. وإن ما تشكو منه كثير من المجتمعات في عصرنا الحاضر من تدهور في أخلاق أبنائها، وانتشار للمنكرات والمخدرات والانحرافات فيها، وعجز السلطات عن إعادة الأمور إلى نصابها، كل ذلك مرده إلى غياب الإيمان عن واقع تلك المجتمعات.
5) أنه يقضي على الفوارق الطبقية في المجتمع الإسلامي:
فلا صوت يعلو على صوت الإيمان، وبالإيمان والعمل الصالح يتفاضل الناس، وليس بكثرة الأموال والأولاد والجاه والمركز وهذا ما أعلنه الرسول الكريم منذ بعثته واستمر عليه إلى وفاته، حيث قال " لا فضل لعربي على عجمي، ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى “، وقال تعالى: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ [الحجرات: 13] )). ولقد طبق الصحابة رضوان الله تعالى عليهم هذا المبدأ، فقد بين عمر بن الخطاب لأبي سفيان سر تقديم بلال وصهيب عليه وعلى أمثاله بقوله: " دعوا إلى الإسلام فأسرعوا، ودعيتم فأبطأتم " .
من خلال ما تقدم ندرك أن التربية القائمة على الإيمان هي التربية المثلى والأكثر دواما واستمرارا، وأن العالم اليوم بحاجة ماسة إلى هذه القيم الربانية الإيمانية التي جاء بها الإسلام لكي تعيش بها المجتمعات في أمن وسلام.
الموضوع: مفهــوم العقيدة وخصائصها
ص: 7 - 13
@ الأهداف السلوكية:
* أن يعرف الطالب معنى العقيدة والركن لغة وشرعا.
* أن يعدد الطالب أنواع العقيدة وأركانها.
* أن يشرح الطالب عبارة أن (عقيدة الديانات السماوية واحده وجوهرها واحد).
* أن يلخص الطالب 3 خصائص للعقيدة الإسلامية.
* أن يقارن الطالب بين العقيدة الصحيحة والعقائد الفاسدة من خلال الخصائص.
عناصر الدرس:
☺ للعقيدة أربعة معاني لغوية:
1- العقد نقيض الحَل. 2- وعقد الحبل: شدَّ بعضه ببعض.
3- وعقد العهد واليمين: أكدها قال تعالى ((لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَـكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأَيْمَانَ [المائدة: 89] )). 4- العقد: العهد وهو أوكد العقود قال تعالى (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ [المائدة: 1])).
☺ والمعنى الاصطلاحي ( الشرعي / عند العلماء): التصديق الجازم / المطابق للواقع / القائم على الدليل.
وبهذا المعنى لا يدخل في مسمى العقيدة:
· التصديق غير الجازم كالشك والوهم والظن.
· ما لا يطابق الواقع من الاعتقادات الباطلة كالشرك وادعاء البنوة لله والتثليث.
☺ العقيدة في جميع الديانات السماوية: عقيدة واحدة والدليل: قال تعالى (( شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ ( الشورى:13)).أي أصول العقائد وقواعد الإيمان.
☺ العقيدة في جميع الديانات السماوية: جوهرها التوحيد أي: إفراد الله تعالى بالألوهية والربوبية وبأسمائه وصفاته، الدليل: قال تعالى ((وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء: 25])).
☺ العقيدة نوعان
عقائد صحيحة: وهي التي جاء بها الرسل الكرام ولم عقائد فاسدة: 1) العقائد التي حرفت عن منهج
يدخلها التحريف؛ وهي الإسلام؛ لأنه الدين الذي تكفل الله كاليهودية والنصرانية، 2) العقائد التي من
الله بحفظه قال تعالى (( إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ)) وضع البشر كالبوذية والمجوسية والتي من
وقال تعالى (( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)). كلام الفلاسفة.
☺ مصادر العقيدة الصحيحة: 1)القرآن الكريم. 2) السنة النبوية المطهرة. فقد بين القرآن الكريم قواعد الإيمان وأصول الشريعة بآيات واضحة ليس فيها مجال للاجتهاد وتعدد الآراء، وترك المجال في الفروع لبيان النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – في حياته ولآراء المجتهدين بعد وفاته، قال تعالى: (( وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ)). [النحل: 44]
☺ العقيدة والشريعة: الإيمان والعمل الصالح، متلازمان لا ينفع أحدهما دون الآخر وقد أتي العمل مقترنا بالإيمان في آيات كثيرة من كتاب الله مثل:
قوله تعالى ((إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً [الكهف: 107])).
وقوله تعالى((...فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً [الكهف: 110]..)).
☺
للعقيدة الصحيحة خصائص تتميز بها أبرزها ما يلي :
![]() |
أنها ربانية: أي موحى بها من الله تبارك وتعالى، وليس فيها شيء من وضع
البشر؛ فالله عز وجل بين لنا حقيقة وجوده وصفاته وأفعاله وحقيقة الكون
ومصيره، والإنسان ولما خلق وغير ذلك من معتقداتنا.

اليسر: عقيدة الإسلام واضحة، لا تعقيد فيها ولا غموض إذ يستطيع
أن يفهمها الناس على اختلاف مستوياتهم العقلية والثقافية، ولعدم اشتمالها
على ما يعجز الإنسان عن فهمه ولموافقتها للفطرة حيث تقرر أن الله واحد
في ذاته قال تعالى ((قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ
يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ)).، ومن يسرها: أنها تقيم علاقة مباشرة بين الإنسان
وربه فلا وساطة بينهما، وهي سهلة التكاليف قال تعالى((لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً
إِلاَّ وُسْعَهَا [البقرة: 286])).

الثبات: حقائق العقيدة الإسلامية حقائق لا يتصور أن يكتشف
فيها خطأ، ولا نقص، ولا تقبل تعديلا، ولا تطويرا، فهي ثابتة
لثبات علم الله سبحانه وتعالى؛ فقد قررت جملة من الحقائق لا تتغير
مطلقا منها: أن الله فرد صمد لم يلد ولم يولد، وأن هذا الكون خلقه الله
وأن الله أوجب علينا الإيمان به وبملائكته وكتبه ورسله وباليوم الآخر
وبالقدر خيره وشره، وهذه أمور ثابتة لا تتغير.

الإيجابية: العقيدة الإسلامية تجعل من يعتنقها إيجابيا
في حياته يعمل على جلب الخير للإنسانية، ودفع الشر
عنها، لأنه يعتقد أن الله سبحانه وتعالى سيحاسب
الناس على أعمالهم ويجزي أهل الإحسان إحسانا، كما
يجزي أهل السوء بما يستحقوا من العذاب قال تعالى
((فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّة
شَرّاً يَرَهُ [الزلزلة:7- 8]))

التوازن: جاءت العقيدة الإسلامية ملبية لكل حاجات
الإنسان الفطرية والعقلية والجسمية، موازنة بين هذه الحاجات
جميعها ولم تهتم بناحية دون الأخرى، كما أقامت توازن بين مطالب
الدنيا والآخرة، وبين مصالح الفرد ومصالح الجماعة.
@
وظيفة الرسول: - صلى الله عليه وآله وسلم – أن يبلغ العقيدة للناس كافة كما أوحيت
إليه قال تعالى ((وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ
رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ
وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ
لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ [الشورى: 52] )).
@ العقيدة الإسلامية هي العقيدة الوحيدة التي تصلح لقيادة البشرية نحو الكمال – لماذا– لأنها:
1- العقيدة الوحيدة التي مصدرها الله تعالى.
2- ولكونها تتفق مع فطرة الإنسان ولا تتناقض معها.
3- وتتفق مع العقل وتنظر إليه كأساس للتكليف وأداة للتدبر في الكون.
@ وأركان هذه العقيدة بينها الله تعالى فقال ((لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَـكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ.. [البقرة: 177])) فهذه الآية بينت خمسة أركان والركن السادس جاء ذكره في حديث جبريل لما سئل النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن الإسلام والإيمان والإحسان فقال الإيمان " أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره “.
@ لا يصح إيمان مؤمن إلا بتوافر هذه الأركان الستة جميعا، وعدم الإيمان بواحد منها نفي للإيمان عن الباقي.
@ كل ركن من هذه الأركان يتطلب تصديقا كاملا بكل ما يشتمل عليه من حقائق وغيبيات، إضافة إلى التطبيق السلوكي العملي الذي يدل عليه.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الموضوع: الإيمان الفطري ص: 13 – 20
@ الأهداف السلوكية:
* أن يعرف الطالب معنى الفطرة والغريزة ومفهوم الإيمان بالله.
* أن يعدد الطالب أركان الإيمان الستة.
* أن يستشعر الطالب مكانة أركان الإيمان في اكتمال الإيمان في نفس المؤمن.
* أن يستدل الطالب على أركان الإيمان الستة بدليل من القرآن والسنة وعلى أصالة الشعور الفطري لدى الإنسان من القرآن والسنة والتاريخ والعلماء.
* أن يشرح الطالب من خلال التاريخ على أصالة الشعور الفطري على وجود الخالق.
@ عناصر الدرس:
الغريزة: طبيعة من خير أو شر تصدر عنها صفات ذاتية.
الفطرة: هي الطبيعة التي خُلِق عليها الإنسان، وتتمثل في الحاجات العضوية كالأكل والشرب وقضاء الحاجة، وتتمثل في الغرائز وهي:
· غريزة حب البقاء: وهي الاستعداد الفطري لدى كل إنسان لدفاع عن بقائه.
· غريزة حب النوع: وهى الميل الفطري كل من الرجل والمرأة نحو الآخر.
· غريزة الدين: وهي الشعور الفطري لدى كل إنسان بوجود الخالق والحاجة إليه.
وهذا الشعور بوجود الخالق والحاجة إليه، بغض النظر عن تفسير هذا الخالق، فطري في جميع البشر، لا يمكن أن يخلوا منه أو ينفصل عنه أي إنسان، مؤمنا كان أو كافرا لأنه جزء من تكوينه وغريزة من غرائزه ويشهد بذلك:
1) القرآن الكريم: لقد عبر القرآن الكريم عن فطرة الإحساس بالخالق المدبر في آيات عديدة، منها قوله تعالى ((فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ * مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ [الروم: 30-31])).
2) السنة النبوية: قال صلى الله عليه وآله وسلم " ما من مولود إلا ويولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه “.
3) العلماء:
- يقول الفيلسوف ( أجوست سانيه ): لماذا أنا متدين ؟ إني لم أحرك شفتي بهذا السؤال مرة، إلا وأراني مسوقاً للإجابة عنه، بهذا الجواب: أنا متدين؛ لأني لا أستطيع خلاف ذلك، لأن التدين لازم معنوي من لوازم ذاتي، يقولون لي: ذلك أثر من آثار الوراثة أو التربية أو المزاج، فأقول لهم: قد اعترضت على نفسي كثيرا بهذا الاعتراض، ولكني وجدته يقهقر المسألة ولا يحلها.
- يقول ( هنري برجسون ): لقد وجِدت وتوجد جماعات إنسانية من غير علوم وفنون وفلسفات ولكنه لم توجد قط جماعة بغير ديانة.
- يقول معجم ( لا روس) للقرن العشرين: إن الغريزة الدينية مشتركة بين كل الأجناس البشرية، حتى أشدها همجية، وأقربها إلى الحياة الحيوانية...
- نشر د. (دينرت) الألماني بحثا حلل فيه الآراء الفلسفية لأكابر العلماء الذين أناروا العقول في القرون الأربعة الأخيرة، وتوخى أن يدقق في تعرف عقائدهم فتبين له من دراسة 290 منهم أن:
28 منهم لم يصلوا إلى عقيدة ما.
242 منهم أعلنوا على رؤوس الأشهاد الإيمان بالله.
20 منهم تبين أنهم غير مبالين بالوجهة الدينية أو ملاحدة.
- يقول (فرانسيس بيكون) إن قليلا من الفلسفة يقرب الإنسان من الإلحاد، أما التعمق في الفلسفة فيرده إلى الدين.
- يقول د.(ألبرت ماكوب ونشستر):إن اشتغالي بالعلوم قد دعم إيماني بالله حتى صار أشد قوة وأمتن أساسا مما كان عليه من قبل، ليس من شك أن العلوم تزيد الإنسان تبصرا بقدرة الله وجلاله، وكلما اكتشف الإنسان جديدا في دائرة بحثه ودراسته ازداد إيمانا بالله.
- يقول العلامة المؤرخ الطبيعي (فابر) كل عهد له أهواء جنونية، فإني أعتبر الكفر بالله من الأهواء الجنونية وهو مرض العهد الحالي، وأيسر عندي أن ينزعوا جلدي من أن ينزعوا مني العقيدة بالله.
- يقول د.(وتز) الكيميائي عضو أكاديمية العلوم وعميد كلية الطب الباريزية: إذا أحسست في حين من أحيان أن عقيدتي بالله قد تزعزعت وجهت وجهي إلى أكاديمية العلوم لتثبيتها.
- وغيرهم انظر الكتاب ص: 15.
وهكذا يثبت بشهادة العلماء أن الشعور بالخالق المدبر يلازم كل إنسان مؤمنا كان أو كافرا، متعلما أو غير متعلم.
4) التاريخ: لم يعرف التاريخ عصرا ولا أمة ولا شعبا إلا وهو يعبد شيئا يؤمن به حتى الشعوب التي قام فيها من يجبرها بالقوة على ترك التدين كانت متدينة تعبد شيئا، وكانت تعبر بصور مختلفة عن إيمانها وتدينها، يقول المؤرخ الإغريقي (بلوتارك ): قد وجت في التاريخ مدن بلا حصون ولا قصور وبلا سدود وقناطر، ولكن لم توجد أبدا مدن بلا معابد.، وأصدق دليل على هذا القول آثار الشعوب والأمم البائدة، وكانوا يعبرون عن هذا الشعور بأشكال مختلفة من التدين؛ فآثار الرومان والقرطاجنيين والأفارقة والهنود والفراعنة والبابليين والآشوريين تزخر جميعها بالمعابد وتراتيل العبادة، وأشكال التقرب إلى الخالق عن طريق القرابين وغيرها، وحتى كهوف الإنسان الذي عاش في العصر الحجري وجد فيها من الرسوم والأشكال ما يدل على إحساسه بالخالق وتعلقه به.
وقد أثبت شمت – عالم الأجناس: " أن أقزام أفريقيا وهم أقدم الأجناس البشرية يؤمنون بوجود إله سام؛ كما توصل إلى وجود فكرة الوحدانية عند معظم القبائل الزنجية وعند كثير من القبائل الأسترالية الجنوبية الشرقية والقبائل الهندية الأمير كية الشمالية.."
س: ماذا فعل الفلاسفة الوضعيون في القرن التاسع عشر الميلادي ؟
راحوا يبشرون بتقهقر نزعة التدين مع تقدم العلوم التجريبية، فتلقف قادة الأحزاب وقادة الاستعمار والمتسلطون على شعوبهم من زعماء الأحزاب العلمانية والإلحادية، هذه البشرى فأخذوا يصرفون الناس عن عبادة الخالق، ويحاربون التوجيهات الدينية، بالتربية والتعليم تارة، ووسائل الإعلام وسن القوانين المانعة تارة أخرى، والمطاردة البوليسية، وحتى التصفية الجسدية؛ ولكن سرعان ما اعترف كبار أنصارها بسفاهتها، بناء على تجربتهم الشخصية، كا ( كونت ) و( سبنسر ).
س: هل التقدم العلمي يطفئ غريزة التدين ؟ وضح إجابتك .
لا ؛ فإن ما نراه اليوم من التقدم العلمي في جميع مجالات العلوم، وإذ نرى كبار العلماء في الدول المتقدمة ينتصرون لقضية الإيمان بالله تعالى، وإذا بالجامعات والكليات العلمية تعج بالشباب المتدين من الجنسين، وخاصة في البلاد الإسلامية التي ما ترك الاستعمار وسيلة وسلاحا إلا استعمله لانتزاعها من دينها. وهكذا فإن التقدم العلمي لا يطفئ غريزة التدين بل يزيدها صلابة.
س: متى تظهر غريزة التدين ؟
تظهر غريزة التدين في حالات الموت، وفقدان الحبيب، والمرض الخطير، ومصارعة الأمواج، وحدوث الزلازل، وقيام العواصف، ونشوب الحروب؛ ينكشف الإنسان أمام نفسه عاجزا قليل الحيلة محتاجا إلى العون، فيلتجئ إلى الله. والدليل قوله تعالى ((وَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَآئِماً فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَّسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ [يونس: 12])).
وأصدق مثال على هذا فرعون موسى الذي طغى وتأله ((وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْياً وَعَدْواً حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلِـهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ [يونس: 90])).
وفي هذا يقول الأستاذ أ. كريسي موريسون ( إن كون الإنسان في كل مكان ومنذ بدء الخليقة حتى الآن قد شعر بحافز يحفزه إلى أن يستنجد بمن هو أسمى منه وأقوى وأعظم، يدل على أن الدين فطري فيه، ويجب أن يقر العلم بذلك).
س: هل يكفي الإيمان الفطري ؟ وضح إجابتك .
لا يكفي، لأن الإيمان الفطري يأتي عن طريق الوجدان، وهو طريق غير مأمون العاقبة، فالوجدان كثيرا ما يضفي على من آمن به أشياء لا حقائق لها، ولكنه تخيلها صفات لازمة لما آمن به، فوقع في الكفر أو الضلال، وما عبادة الأوثان، وما الخرافات والترهات إلا نتيجة لخطأ الوجدان.
ولهذا لم يترك الإسلام الوجدان وحده طريقا للإيمان فقد حتم استعمال العقل مع الوجدان، ونهى عن التقليد في العقيدة، قال تعالى ((وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ [البقرة: 170])).
الموضوع: الإيمان القائم على النظر والتفكير في الموجودات
ص: 23 – 28
@ الأهداف السلوكية:
* أن يتعرف الطالب على طرق البحث في العقائد ومنهجه.
* أن يصدر الطالب حكمه على النتائج المتعلقة بكل طريقة من طرق التفكير.
* أن يستدل الطالب على بطلان الصدفة والطبيعة في إيجاد الخلق.
* أن يقرأ الطالب الآيات القرآنية التي تبين منهج القرآن في الاستدلال على وجود الله تعالى.
* أن يرسم الطالب مخططا لأقسام طرق التفكير.
@ عناصر الدرس:
أولا منهج البحث في العقائد:
إن البحث في العقيدة هو أهم البحوث في الثقافة الإسلامية على الإطلاق وأكثرها دقة – لماذا ؟ - لأنها الأصل الذي تقوم عليه حياة المسلم، والبحث يكون بالعقل، ولذلك لابد من معرفة الطرق التي يسير عليها العقل في بحثه الأشياء، وحتى نتعرف الطريقة اللازمة في بحث العقائد.
@ طرق التفكير:
(1) الطريقة العقلية:
- تقوم على الملاحظة والاستنتاج.
- تستخدم في بحث المواد المحسوسة كالفيزياء.
- وبحث الأفكار كالعقائد.
- وبحث الأحداث وتحليلها كبحث التاريخ والسياسة.
- وفهم الكلام كبحث الأدب.
- وغيرها..
- تكون النتائج:
@ صحيحة: إذا كانت تتعلق بالحكم على وجود الشيء – لماذا؟ - لأن هذا الحكم يأتي عن
طريق الإحساس بالواقع والحس لا يخطئ بوجود الواقع.
@ ظنية: إذا كانت تتعلق بالحكم على حقيقة الشيء أو صفته – لماذا ؟ - لأن هذا الحكم يأتي
عن طريق تفسير الواقع المحسوس بالمعلومات المتوافرة لدى الباحث، وهذه
يمكن أن يتسرب إليها الخطأ.
(2) الطريقة العلمية:
- تقوم على الملاحظة والاستنتاج والتجربة.
- تستخدم في المواد المحسوسة فقط.
- تكون النتائج:
تسمى حقائق أو قوانين علمية؛ وهي ظنية فيها قابلية الخطأ، ولو كانت قطعية لما تقدم العلم هذا التقدم العظيم.
- الغرب بلغت عندهم هذه الطريقة إلى درجة التقديس.
☺ وعلى هذا فإن البحث في العقائد لا يجري على الطريقة العلمية؛ لأن موضوعاتها لا تخضع للتجربة؛ وإنما يجري على الطريقة العقلية.
ثانيا البحث في وجود الله :
يمكن للإنسان أن يستدل على وجود الله باستخدام عقله، عن طريق ثلاثة أمور:
(1) وجود العوالم المختلفة، والمخلوقات الكثيرة المتنوعة، يشهد بوجود خالقها وهو الله عز وجل، إذ ليس هناك في الوجود من ادعى خلق هذه العوالم وإيجادها سواه؛ كما أن العقل البشري يحيل وجود شيء بلا موجد، فالطعام لا بد له من طابخ، والثوب لابد له من خائط، فكيف إذاً بهذه العوالم الضخمة الهائلة من سماء وما حوت من أفلاك وشمس وقمر وكواكب، وأرض وما حوت من إنسان وحيوان ونبات وأنهار وبحار.
(2) وجود كلام الله عز وجل ( القرآن الكريم ) بين أيدينا نقرأه ونتدبره ونفهم معانيه، فهو دليل على وجوده عز وجل؛ لأنه يستحيل كلام بلا متكلم، وقول بلا قائل.
(3) وجود هذا النظام الدقيق المتمثل في هذه السنن الكونية في الخلق والتكوين والتنشئة والتطوير لسائر الكائنات الحية في هذا الوجود؛ فإن جميعها خاضع لهذه السنن متقيد بها لا يستطيع الخروج عنها بحال من الأحوال، فالإنسان مثلا يعلق نطفة في الرحم ثم تمر به أطوار عجيبة لا دخل لأحد غير الله فيها، يخرج بعدها بشرا سويا.
☺ القول بالمصادفة: أي وجود الشيء على غير نظام ومن غير قصد، وكل ما في الوجود يدل على القصد وعلى أن هناك نظام دقيقا تسير وفقه الموجودات؛ فهذه السماء وما تحتويه من بلايين النجوم المشتعلة والكواكب السيارة التي يحفظها قانون الجاذبية من أن تتصادم أو يرتطم بعضها بكوكبنا الأرضي الذي نعيش عليه فتنسفه، وهذه الكرة الأرضية التي نعيش عليها وما فيها من نبات وحيوان وسهول وجبال وبحار كل ذلك يسير على سنن ونواميس خاصة في نهاية الحكمة وفي سبيل منفعة الإنسان، إن ذلك من البراهين القوية على وجود قدرة إلهية حكيمة وعلى بطلان مزاعم الماديين بأن الكون وُجِدَ اتفاقا وصدفة.
يقول العلامة أ. كريسي موريسون: إن استعراض عجائب الطبيعة ليدل دلالة قاطعة على أن هناك تصميما وقصدا في كل شيء، وأن ثمة برنامجا ينفذ بحذافيره طبقا لمشيئة الخالق جل وعز. ويقول ( إن حجم الكرة الأرضية، وبعدها عن الشمس ودرجة حرارة الشمس وأشعتها الباعثة للحياة، وسمك قشرة الأرض وكمية الماء ومقدار ثاني أوكسيد الكربون، وحجم النتروجين، وظهور الإنسان وبقاءه على قيد الحياة كل أولاء تدل على خروج النظام من الفوضى وعلى التصميم والقصد..).
☺ أما القول بالطبيعة: فإنه نوع من العناد والهروب من الحقيقة؛ فلا يقول عاقل إن الموجودات التي تكون الطبيعة هي التي خلقته أو كانت سبب وجوده، ولكنه يغالط نفسه ويسمي ( الله ) الذي يشعر بوجوده في كل ما يرى ويلمس، يسميه الطبيعة، هروبا من مقتضيات الإيمان به سبحانه وتعالى.
☺ وللقرآن منهج في الاستدلال على وجود الله:
1. جاء يلفت النظر إلى أحداث الكون:
قال تعالى ((إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخِّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [البقرة: 164])). وقوله تعالى ((وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ * فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَـذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ [الأنعام: 75-76] الآية )).
2. يدعو الإنسان إلى النظر في نفسه:
قال تعالى ((وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ [الذاريات: 21])) وقال تعالى((فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِن مَّاء دَافِقٍ * يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ [الطارق:5- 7])).
3. يثير الوجدان بذكر نعم الله عز وجل:
قال تعالى ((اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الأَنْهَارَ * وَسَخَّر لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَآئِبَينَ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ [إبراهيم: 32-33])).
4. يثيره بتصوير حالات الحرج والخوف من الهلاك:
قال تعالى ((هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا جَاءتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُاْ اللّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَـذِهِ لَنَكُونَنِّ مِنَ الشَّاكِرِينَ [يونس: 22])).
إلى غير ذلك من الآيات التي تهز وجدان الإنسان وتحرك عقله؛ لأن ينظر بعمق إلى الكون وما يحويه من عجائب، وإلى الحياة وما تخفيه من أسرار، و إلى نفسه وما انطوت عليه من آيات ليستدل بذلك على وجود الخالق المدبر.
ولا نجد في القرآن ما يدعو إلى النظر في ذات الله تعالى – لماذا ؟ - لأن ذاته سبحانه وتعالى وراء العالم المادي ، والعقل لا يدرك ما وراء المادة ، لأنه مقيد بحدود الزمان والمكان ، وبما تمده به الحواس ، فهو لا يدرك إلا ما كانت ذاته محسوسة أو ما كان له أثر محسوس ، ولذلك كان عاجزا عن إدراك ذات الله .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الموضوع: صفات الله تعالى
ص: 29 – 33
@ الأهداف السلوكية:
* أن يعرف الطالب مفاهيم صفات الله تعالى و التمثيل والتعطيل.
* أن يقارن الطالب بين رأي السلف وأراء المذاهب الأخرى في صفات الله تعالى.
* أن يستدل الطالب على صفات الله تعالى بالأدلة من القرآن والسنة.
* أن يستشعر الطالب أثر الإيمان بأسماء الله الحسنى وصفاته العلى في حياته اليومية.
@ عناصر الدرس:
هناك ثلاثة مرتكزات أساسية يقوم عليها الإيمان بهذه الصفات:
1) إثبات جميع الأسماء والصفات التي جاءت في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم على ما يليق به سبحانه مع اعتقادنا أنها دالة على معان ثابتة كاملة في نفس الأمر.
2) الاعتقاد أن الله عز وجل لا يشبهه شيء، لا في ذاته، ولا في أسمائه وصفاته، وأن إثبات ما وصف به نفسه أو بما وصفه به رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، لا يقتضي تشبيها أو تمثيلا.
3) قطع النظر عن إدراك الكيفية: إن معرفة صفات الله عز وجل مستحيلة لأنه لا سبيل إلى إدراكها؛ لأن معرفتها تتوقف على معرفة كيفية الذات وما دمنا لا نقدر على معرفة كيفية الذات الإلهية فكذلك سنكون عاجزين عن إدراك كيفية صفاته ولذا فإن بعض أئمة السلف حينما سئلوا عن كيفية الاستواء قالوا : ( الاستواء معلوم والكيف مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة ) .
* القول الحق في صفات الله تعالى: أن لا يوصف الله سبحانه إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله عليه الصلاة والسلام.
وهذا مذهب السلف الصالح ( النبي وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ): أنهم لا يصفون الله إلا بما وصف به نفسه أو بما وصفه به رسوله من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل.
* معنى التمثيل: هو وصف الله تعالى بصفات خلقه؛ ( الممثلة أو المجسمة ) وهذا كفر صريح.
* معنى التعطيل: هو صرف صفات الله تعالى عن مدلولها. ( المعطلة ) انظر الكتاب ص: 29.
* أسماء الله الحسنى:لله تعالى أسماء حسنى، وصفات عليا، وهي من مقتضيات كمال ربوبيته وعظمة ألوهيته، وقد تفرد بها الخالق، فلا يشاركه فيها أحد، وللمسلم أن يدعوا الله بأي اسم من أسمائه قال تعالى ((قُلِ ادْعُواْ اللّهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَـنَ أَيّاً مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى.. [الإسراء: 110] )).
* عدد أسماء الله الحسنى: قال صلى الله عليه وآله وسلم " إن لله تسعة وتسعون اسما من حفظها دخل الجنة، وإن اله وترا يحب الوتر “ متفق عليه، وحفظها: أي وعاها واستحضر معناها واستشعر في نفسه آثارها.
وهذا الأسماء هي التي أخبرنا عنها الله سبحانه وتعالى في كتابه ( القرآن الكريم ) والنبي صلى الله عليه وآله وسلم في أحاديثه؛ غير أن هناك أسماء لله تعالى لم يخبرنا عنها النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما جاء في الحديث " اللهم إني عبدك وابن عبدك وابن أمتك ناصيتي بيدك... ... أسألك بكل اسم هو لك ، سميت به نفسك ، أو أنزلته في كتابك ، أو علمته أحد من خلقك ، أو استأثرت به في علم الغيب عندك ... " الحديث أخرجه الإمام أحمد وابن حبان والحاكم.
* ومن هذه الصفات:
1-2 ) الأول والآخر:
قال تعالى: ((هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [الحديد: 3]))، وقال سبحانه: ((وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [القصص: 88] )).
معنى الأول: أنه لا ابتداء لوجوده، وأن وجوده غير مسبوق بعدم – أي : السابق في الوجود على جميع الموجودات بلا بداية ، وجميع الموجودات انبثق وجودها منه..
معنى الآخر: أنه سبحانه لا آخر لوجوده، فلا يلحقه العدم.
1) ليس كمثله شيء: قال تعالى ((..لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى: 11])) فالله سبحانه وتعالى لا يماثله شيء ولا يماثل شيئا، فكل ما خطر ببالك فهو بخلاف ذلك؛ ومماثلة غير الله له في بعض الصفات إنما هي من حيث التسمية، لا من حيث الحقيقة.
2) الوحدانية: أي أن الله واحد في ذاته وصفاته وأفعاله.
- فوحدة الذات تعني: أن ذاته غير مركبة من أجزاء، وأنه ليس هناك ذات تشبه ذاته، وأنه لا شريك له في ملكه.
- ووحدة الصفات تعني: أنه تعالى منفرد بصفاته، وليس لغيره صفات تشبه صفاته، وأنه ليس له صفتان من نوع
واحد.
- وتعني وحدة أفعاله: أنه تعالى المنفرد بالخلق والتكوين، وفي كل أفعاله لا شريك له، فالله خالق كل شيء، ومبدع
كل شيء، فهو سبحانه مستقل بالإيجاد والإبداع.
الأدلة على الوحدانية:
· قال تعالى ((لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ [الأنبياء: 22])).
· دليل عقلي: الناظر إلى الكون والمتأمل في عجيب نظامه وإحكام صنعه، ليرى أنه يسير على نظام واحد بدقة وتنسيق.
فيظهر لنا مما تقدم أن صفة الوحدانية تجمع أقسام التوحيد الثلاثة:
توحيد الربوبية: أن نوحد الله تعالى بأفعاله سبحانه وتعالى، ويكون بالإيمان أنه الخالق الرازق الموجد المحيي المميت.
توحيد الألوهية: أن نوحد الله تعالى بأفعالنا ويكون بإفراده بالعبادة والتأله له والخضوع والذل والحب والافتقار والخوف والرجاء والتوجه إليه تعالى.
توحيد الصفات: أن نصف الله تعالى بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله صلى الله عليه وآله وسلم.
3) الإرادة: أي أن الله تعالى يخلق الأشياء حسب إرادته فيجعله طويلا أم قصيرا، عالما أم جاهلا، في هذا المكان أو في غيره. والدليل على وجوب الإرادة لله تعالى:
- عقلا: أن الله تعالى مصدر كل شيء، وخالق ما عرفنا، وما لم نعرف من الموجودات، فمن البداهة أن تثبت له صفة الإرادة، وهو سبحانه يتصرف في الكون حسب مشيئته وإرادته.
- نقلا: قال تعالى ((إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس: 82])).
4) العلم: الله سبحانه عالم بكل شيء سواء منها المعلومات الماضية، أو الحاضرة أو المستقبلة، وعلم الله لم يسبق بجهل، ولا يعتريه النسيان، ولا يتقيد علمه بزمان ولا مكان، وعلمه بالجزئيات كعلمه بالكليات. والدليل على وجوب العلم لله تعالى:
- نقلا: قوله تعالى ((وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [التوبة: 105])) وقوله تعالى ((... يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء... [البقرة: 255])).
- عقلا: ما يبدو في الكون من نظام بديع، وصنع عجيب، وترتيب دقيق، وكل فعل هذا شأنه يدل على أن فاعله عالم، وهو الله، إذ يستحيل أن يصدر مثل هذا من جاهل.
7-8) السمع والبصر: الله سبحانه وتعالى يسمع ويبصر كل ما يدور في هذا الكون، ولا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء. ودليل وجوب السمع والبصر لله تعالى:
- عقلا: أن عدم السمع والبصر نقص، والنقص على الله محال.
- نقلا: قوله تعالى: ((قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ [المجادلة: 1]))، وقوله تعالى ((.. لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى: 11])).
لا يمكن تصور الذات الإلهية دون سمع وبصر، هذه الحقيقة ذكرها القرآن الكريم فيما جاء على لسان إبراهيم عليه الصلاة والسلام عندما دعا والده إلى نبذ عبادة الأصنام بقوله ((إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئاً [مريم: 42])) ومعنى هذا القول أن الإله المعبود يجب أن يكون سميعا بصيرا.
الخلاصة: إن صفات الله أعلام هداية علينا أن نسير عليها، ونستنير بنورها، ونتخذها مثلنا الأعلى ونجعلها غايتنا، فنحسن تربية أنفسنا، ونتحلى بفعل الخير لمرضاة الله، وأن نستشعر رقابة رب العالمين أينما حللنا وأينما ارتحالنا في كل زمان ومكان، حتى نصل إلى أقصى درجات السمو النفسي والارتقاء الروحي.
الموضوع: الله خالق الإنسان
ص: 34 – 37
@ الأهداف السلوكية:
· أن يجيب الطالب عن التساؤلات التالية: كيف خلق الإنسان ؟ ومن خلقه ؟ .
· أن يقارن الطالب بين الطرق الموصلة إلى معرفة كيفية خلق الإنسان الأول وتكاثره.
· أن يستدل الطالب على حقيقة الإنسان الأول من القرآن والسنة.
@ عناصر الدرس:
@ طرق معرفة حقيقة أصل الإنسان:
1) البحث والتنقيب وتجميع المعلومات واستنباط النتائج.
2) قبول الخبر الصادق ممن خلق الخلق وأبدع صنعه.
أما الطريق الأول: فقد أشار إليه الله عز وجل في قرآنه حيث يقول ((قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [العنكبوت: 20]))، ولكنه طريق طويل محفوف بالمخاطر؛ لأن الإنسان أمام ماض سحيق اندثرت معظم أثاره أو خربت معالمه أو ضاعت علاماته والساعي فيه لا يأمن العثرات أو الانخداع بالظواهر أو الخطأ في الاستنباط والاستنتاج.
وقد مضى الإنسان في هذا الطريق ردحا من الزمن يود أن يعرف أصله ومن خلقه ؟ وتوصل إلى نظريات متعددة لم تستقر واحدة منها، وكلما ظهرت نظرية أبطلتها نظرية أخرى:
كنظرية تعاقب الخلق: التي يرى أصحابها أن الحياة على سطح هذه الأرض تنقرض وتنتهي بالزلازل والطوفان والنكبات ثم تخلق حياة جديدة، وهذه النكبات مستمرة غير منقطعة.
وكنظرية النشوء البطيء: التي يرى أصحابها أن الحياة تتطور وتنشأ حياة جديدة بهذا التطور، و تتحول فيه الأنواع وتظهر أنواع جديدة.
وكنظرية الخلق المتعدد: التي يرى أصحابها أن الوجود خلق هكذا من غير تطور فالحيوانات كانت حيوانات كما هي عليه الآن وستظل حيوانات ما بقيت والتشابه بينها ليس دليلا على تطور نوع منها من نوع آخر.
وما زال الإنسان يبحث ولم يصل إلى الجواب المقنع بالأدلة الثابتة التي لا تقبل البطلان.
أما الطريق الثاني: فهو قبول الخبر الصادق من الخالق الذي خلق الإنسان، قال تعالى ((أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الملك: 14] )) ولكن أين نجد هذا الخبر ؟
في القرآن الكريم بيان للحقيقة، إنها حقيقة مكونة من قسمين، كيفية بدء خلق الإنسان الأول، وكيفية تكاثره واستمراره.
@ كيفية بدء خلق الإنسان الأول: إن كتاب الله تعالى يوضح لنا معالم هذه الحقيقة قال تعالى:
1- ((وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنتُم بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ [الروم: 20])).
2- ((وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاء بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيراً [الفرقان: 54])).
3- ((إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِن طِينٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ [ص:71-72])).
4- ((وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ [الحجر: 26])).
5- ((خَلَقَ الْإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ [الرحمن: 14])).
6- ((وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى [طه: 116])).
ولاكتشاف هذه الحقيقة استعن بالإجابة على هذه الأسئلة التالية:
س1: ما العنصران اللذان كون الله منهما الإنسان ؟ الماء والتراب.
س2: ماذا يكون إذا أضيف الماء إلى التراب ؟ يكون طين .
س3: إذا ترك الطين فترة طويلة، فكيف يكون لونه ورائحته ؟ كالحمأ المسنون.
س4: ماذا يسمى الطين إذا صور على شكل مجوف وترك حتى ييبس ؟ صلصال كالفخار .
س5: ما الذي أضيف إلى الطين المصور الجامد فأصبح حيا ؟ إنها الروح.
س6: ما اسم الإنسان الأول ؟ إنه آدم عليه الصلاة والسلام أبو البشر.
س7: كيف خلقت زوجه حواء أم البشر ؟
لقد خلقت حواء من جزء من آدم عليه السلام، قال عليه الصلاة والسلام: " استوصوا بالنساء، فإن المرأة خلقت من ضلع أعوج " رواه مسلم. وقال تعالى ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء.. [النساء: 1] )). فإذا كان آدم قد خلق من غير أب وأم؛ فإن حواء قد خلقت من أب بلا أم؛ فتلك حقيقة بدء الإنسان الأول وخلق زوجه منه.
@ كيفية تكاثر الإنسان واستمراره:
واضحة يمكنك إدراكها من قراءة هذه الآيات المباركات حيث يقول سبحانه وتعالى: ((فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ* خُلِقَ مِن مَّاء دَافِقٍ * يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ * إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ [الطارق:5- 8])) ويقول سبحانه ((وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ* ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ [المؤمنون: 12-14])) وقال سبحانه ((وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ [ق: 16] )).
![]() |
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الموضوع: الإيمــان بالرســـل
ص: 38 - 45
@ الأهداف السلوكية:
* أن يعرف الطالب معنى الإرسال في اللغة والمقصود من الإيمان بالرسل.
* أن يفرق الطالب بين النبي والرسول.
* أن يشعر الطالب بمدى الحاجة للرسل في حياة الناس.
* أن يجيب الطالب عن التساؤل التالي: لماذا لا تستغني البشرية عن منهج الرسل بمناهج وضعية من نتاج العقل البشري ؟
* أن يوضح الطالب المقصود من صفات الرسل ووظائفهم ودلائل صدقهم.
@ عناصر الدرس:
@ تعريف الإرسال: لغة التوجيه.
اصطلاحا: فئة مختارة من الناس وجهوا من قِبل الله عز وجل برسالة معينة كلفوا بتبليغها ومتابعتها.
الدليل قال تعالى ((اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ [الحج: 75])).
@ عدد الرسل والأنبياء: لقد أخبرنا الله في كتابه الكريم عن خمسة وعشرين نبيا ذكر منهم 18 في سورة الأنعام الآيات (83 – 86 ) وأما الباقون فقد ذكروا في آيات متفرقة؛ وهناك نبي ذكر اسمه في السنة وهو نبي الله شيث عليه السلام، وهناك من الأنبياء من لم يقص الله علينا خبرهم ويجب علينا الإيمان بهم يقول تعالى ((وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُم مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ.. [غافر: 78] )) ولذلك فإن عددهم ( 124000ألف ) فعن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله كم وفاء عدة الأنبياء ؟ قال: مائة ألف وأربعة وعشرون ألف، الرسل من ذلك ثلاثمائة وخمسة عشر جما غفيرا “.
@ فضل الله بعض الأنبياء على بعض قال تعالى: ((تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ.. [البقرة: 253])) ومنهم من أطلق عليهم ( أولي العزم ) – لماذا ؟ - لأنهم قادة الأنبياء ولأن عزائمهم كانت قوية، وابتلائهم كان شديدا، وجهادهم كان شاقا، واستمر فترة طويلة؛ صبروا خلالها على البلاء والتكذيب، فكانت حياتهم كلها محن وشدائد. وهم ( إبراهيم ونوح وعيسى وموسى ومحمد عليهم صلوات الله وسلامه. وأفضل الرسل جميعا هو نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
@ الفرق بين النبي والرسول:
النبي: هو مرسل من الله إلى الناس يدعو إلى شريعة رسول قبله؛ كأنبياء بني إسرائيل.
الرسول: مرسل من الله إلى الناس أنزل عليه كتاب وشرع مستقل مع المعجزة التي تثبت نبوته.
الدليل: قوله تعالى ((وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [الحج: 52]))
@ الحاجة إلى الرسل: الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان لغاية واحدة وهي العبادة، وحتى يكون قادرا على ذلك فطره الله على العبادة وزوده بالعقل الذي يفرق به بين الخير والشر، والحق والباطل؛ ولكن ليس بإمكان الإنسان مهما كان ذكاؤه أن يتعرف على ما يرضي الله وما يسخطه؛ فاقتضت حكمته سبحانه أن يبعث الرسل إلى الناس:
1- لإقامة الحجة عليهم قال تعالى ((رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزاً حَكِيماً [النساء: 165] )) ولذا بعث الله الرسل إلى جميع الأمم يقول سبحانه ((وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ.. [النحل: 36])).
2- تحقيق العدل بين الناس يقول سبحانه ((لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ... [الحديد: 25])).
ولذا لا يمكن للبشرية أن تستغني عن منهج الرسل بمناهج أرضية من نتاج العقل. لماذا ؟ والجواب لأسباب كثيرة منها:
* لأنه المنهج الوحيد المبرأ من نتاج الهوى الإنساني والضعف البشري والرغبة الإنسانية في النفع الذاتي.
* لأنه المنهج الذي يحقق كرامة الإنسان ويمنحه الحرية الحقيقية والتحرر من العبودية للناس بالعبودية لله رب الناس.
* لأنه المنهج الوحيد المبرأ من نتاج الجهل والقصور البشري لأن لله وحده العلم المطلق.
* لأنه المنهج الوحيد الذي يقدم تفسيرا شاملا للوجود ماضيه وحاضره ومستقبله.
@ صفات الرسل:
1) البشرية يقول تعالى ((قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ.. [الكهف: 110])) وقال تعالى (( قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن نَّحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ وَلَـكِنَّ اللّهَ يَمُنُّ عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ.. [إبراهيم : 11])) فمقتضى كونهم بشرا أن يتصفوا بالصفات التي لا تنفك عنها البشرية ، ككونهم جسدا يحتاجون للطعام والشراب ، وينامون ويصحون ، ويمرضون ويموتون ، ويتعرضون للبلاء ويشتغلون بأعمال البشر .
2) الكمال في الخلقة الظاهرة والأخلاق: لا ريب أن الأنبياء والرسل يمثلون الكمال الإنساني في أرقى صوره، فالله يختار ويصطفي من يشاء من عباده لنفسه، فلابد أن يختار أطهر البشر قلوبا وأزكاها أخلاقا، قال تعالى ((وَإِذَا جَاءتْهُمْ آيَةٌ قَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللّهِ اللّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ.. [الأنعام: 124])).
3) خير الناس نسبا: الرسل ذوو أنساب كريمة، وجميع الرسل بعد نوح من ذريته، وجميع الرسل بعد إبراهيم من ذريته، قال تعالى ((وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُم مُّهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ [الحديد: 26]))، وفي الحديث يقول صلى الله عليه وآله وسلم " بعثت من خير قرون بني آدم، قرنا فقرنا حتى كنت من القرن الذي كنت منه " رواه البخاري.
4) المواهب والقدرات: وهب الله الرسل العقول الراجحة، والذكاء الفذ، واللسان المبين، والبديهة الحاضرة، فلقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يحفظ ما يلقى عليه من الوحي ولا ينس منه كلمة قال تعالى ((سَنُقْرِؤُكَ فَلَا تَنسَى [الأعلى: 6])) وهذا إبراهيم عليه السلام لما أفحم خصمه في قوله تعالى ((أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رِبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِـي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِـي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [البقرة: 258] )).
5) الذكورة: اختار الله جميع الرسل الذين أرسلهم من الرجال، ولم يبعث الله رسولا من النساء ويدل على ذلك صيغة الحصر التي وردت في قوله تعالى ((وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ [النحل: 43] )).
@ وظائف الرسل ومهماتهم: تتلخص في عدة أمور:
* دعوة الناس إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وهدايتهم إلى الصراط المستقيم، قال تعالى (( وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ.. [النحل: 36] ))
* تبليغ أحكام الشريعة الربانية للناس، قال تعالى ((يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ [المائدة: 67] )).
* التبشير والإنذار، في الدنيا وفي الآخرة؛ ففي الدنيا يبشرون الطائعين بالحياة الطيبة السعيدة، ويعدونهم بالنصر والتمكين والأمن في الدنيا، وينذرون العصاة بالشقاء الدنيوي، وفي الآخرة يبشرون الطائعين بالجنة ونعيمها الذي لا يزول، ويخوفون الكافرين والعصاة جهنم وبئـس القـرار قال الله عز وجل ((وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ [الأنعام: 48])).
* سياسة الأمة، السياسة الدنيوية والدينية والحكم بما أنزل الله تعالى، فهم يقودون الأمة في السلم والحرب، ويتولون شئون الحكم والقضاء ورعاية مصالح الناس، قال تعالى ((وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللّهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ [المائدة: 49] )).
* تربية الناس على منهج الشريعة الربانية وتأديبهم بآدابها فالرسول صلى الله عليه وآله وسلم في قومه معلم ومرشد وقدوة لهم، قال تعالى ((قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىَ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ [هود: 88])).
@ دلائل صدق الرسل: الرسالة دعوى تحتاج إلى بينة ودليل وبرهان، ونستطيع أن نستدل على صدق الرسل في دعواهم النبوة والرسالة ببعض الآيات والدلائل البينات ومنها:
¬ المعجزات: وهي الأمر الخارق للعادة الذي يظهر على يد الرسل، المقرونة بالتحدي، المسالم من المعارضة. وبينما تلاحظ أن أكثر معجزات الأنبياء السابقين عليهم الصلاة والسلام مادية حسية انقرضت بانقراض عصورهم فلم يشاهدها إلا من حضرها، نجد أن معجزة نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم عقلية باقية، ونعني بذلك المعجزة الكبرى القرآن الكريم.
¬ النبوءات: وهي الإخبار عن المستقبل المجهول، وتحقق النبوءة في واقع الناس دليل على صدق الرسل عليهم الصلاة والسلام، وقد تنبأ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بنبوءات منها ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " على أنقاب المدينة ملائكة لا يدخلها الطاعون ولا الدجال " متفق عليه. ومنها قوله صلى الله عليه وآله وسلم في حق حفيده وسبطه الحسن بن علي رضي الله عنهما " إن ابني هذا سيد، وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المؤمنين " وكان ذلك عام 40للهجرة، وغيرها.
¬ البشارات: وهي أن يبشر الرسول السابق برسول لاحق يأتي بعده فتكون نبوءة للأول وبشارة للثاني، وقد جاء في التوراة والإنجيل البشارة برسالة محمد صلى الله عليه وآله وسلم قال تعالى ((وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ [الصف: 6] )).
¬ الثمرات: إن ثمرات دعوى الرسل عليهم الصلاة والسلام تختلف اختلافا جوهريا عن ثمرات أي دعوة أخرى، وتتمثل أبرز ثمرات دعوة الرسل في:
1- تجديد الدعوة إلى توحيد الله، ونبذ الشرك والوثنية.
2- وتعميق الإيمان بالجزاء والحساب.
3- والدعوة إلى الجهاد في سبيل الله دفاعا عن الحق، وتأمينا لحرية وصول دعوة الله للناس.
4- وإعداد جيل مثالي من البشر يلتزمون بتنفيذ شريعة الله في أنفسهم ومجتمعاتهم.
5- و يدعون غيرهم لهذا الطريق بالحكمة والموعظة الحسنة.
¬ الصفات الشخصية لصاحب الرسالة، ويظهر ذلك في التزامه الكامل بتطبيق ما يدعو إليه، بحيث تكون أخلاقه وسلوكه وأسلوب دعوته وسياسته وقيادته متوافقة مع كل ما يدعو إليه، سئلت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها عن خلق النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقالت: " كان خلقه القرآن “.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الموضوع: الإيمــــــان بكتب الله تعــــالى
ص: 46 - 51
@ الأهداف السلوكية:
* أن يتعرف الطالب على تعريف الإيمان بالكتب السماوية.
* أن يعدد الطالب الكتب السماوية التي ذكرت في القرآن الكريم.
* أن يوضح الطالب كيفية الإيمان بالكتب السماوية السابقة للقرآن الكريم.
* أن يلخص الطالب مزايا القرآن الكريم.
* أن يقارن الطالب بين الكتب السماوية من حيث المصدر والحفظ والخصوصية والطول والقصر ووقت النزول.
@ عناصر الدرس:
@ معناه: التصديق الجازم بالكتب السماوية التي أنزلها الله إلى عباده بواسطة رسله وأنبيائه، والتصديق بأنهم بلغوها للناس.
@ الكتب التي أنزلها الله على رسله:
نؤمن بأن الله قد أنزل كتبا كثيرة لا نعلم أسماؤها وهي كلها حق وصدق؛ لأنها من عند الله تعالى، وقد أخبرنا القرآن الكريم عن عدد من الرسل لهم رسالات ولكن لم يذكر أسماءها، كرسالة صالح عليه السلام لقومه ((فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِن لاَّ تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ [الأعراف: 79]))
@ الكتب السماوية المذكورة في القرآن الكريم:
(1) التوارة: نزلت على موسى عليه الصلاة والسلام، قال تعالى ((إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ.. [المائدة: 44]))
(2) الإنجيل: نزل على عيسى عليه الصلاة والسلام، قال تعالى ((وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِعَيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ [المائدة: 46] )).
(3) الزبور: نزل على داود عليه الصلاة والسلام، قال تعالى ((وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً [النساء: 163])).
(4) صحف إبراهيم وموسى عليهما الصلاة والسلام، قال تعالى ((إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى [الأعلى: 18- 19])).
(5) القرآن الكريم: نزل على نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم؛ فهو أعظمها، والمهيمن عليها، والناسخ لجميع شرائعها وأحكامها.
@ كيف يكون الإيمان بالكتب السابقة للقرآن الكريم ؟ :
أ. أن نؤمن بأنها من عند الله، وأن الانقياد لها والحكم بها كان واجبا على الأمم التي نزلت إليها تلك الكتب.
ب. أن نؤمن بأن الكتب السماوية يُصِدقُ بعضها بعضا، فالإنجيل مصدق للتوراة، والقرآن مصدق لما تقدمه من الكتب الإلهية.
ت. أن نؤمن بأن هناك رباطا وثيقا يربط هذه الكتب جميعها: وهو أن منزلها واحد هو الله عز وجل؛ وهدفها واحد وهو الدعوة إلى توحيد الله، وعبادته والإيمان باليوم الآخر، والعمل الصالح.
ث. أن من ينكر شيئا مما أنزله الله فهو كافر.
@ مزايا القرآن الكريم:
¬ أنه يتضمن خلاصة التعاليم الإلهية التي جاءت بها الكتب السماوية السابقة، وأنه مؤيد للحق الذي جاء به.
¬ هو الرسالة التي أراد الله أن تبقى خالدة، فصانها وتعهد بحفظها.
¬ يسر الله حفظه وفهمه وذكره، ليس فيه ما يشق على الناس فهمه أو يصعب عليهم العمل به وذلك حتى يذاع ويصل إلى العقول و الأسماع.
¬ لا تتعارض الحقائق العلمية معه لأن عمل الكون الله المتصرف فيه والقرآن كلام الله فلا يتناقضان قال تعالى ((سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ..ٌ [فصلت: 53])).
¬ هو الكتاب الشامل لأعظم تشريع رباني؛ ولذا لا يكفي التصديق به، فلا بد من العمل بمقتضاه، وقد كفل الله لمن عمل به سعادة الدارين الدنيا و الآخرة.
¬ هو خير الكتب وأفضلها، ولا يقارن به كتاب في تأثيره وهدايته، والغاية منه أن تبقى حجة على الناس قائمة حتى يرث الله الأرض ومن عليها.
@ مقارنة بين الرسالات :
|
المصدر والغاية |
القرآن الكريم |
الكتب السابقة |
|
المصدر واحد وهو الله عز وجل، وغايتها واحده، تكون منهج حياة للبشر الذين يعيشون على هذه الأرض. |
||
|
العمومية والخصوصية |
رسالة عامة للثقلين( الأنس والجن) فهي صالحة لكل زمان ومكان |
نزلت لأقوام بأعيانهم |
|
الحفظ |
تكفل الله بحفظه. |
حفظها علماء تلك الأمم التي نزلت عليهم. |
|
الطول والقصر |
أكملها في شموله وكثرة نصوصه، واتساع مضمونه، يشمل جوانب الحياة الإنسانية كلها. |
نزلت لمعالجة قضايا معينة في أقوامها |
|
وقت النزول |
جميع الكتب السماوية تم نزولها في رمضان |
|
@ مسألتين مهمتين:
نحن نؤمن
أن هذه الكتب بأصلها من عند الله، إلا أن يد البشر امتدت إليها تعبث وتحرف وتغير
فيها كما أخبر تعالى بقوله ((فَوَيْلٌ
لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَـذَا مِنْ
عِندِ اللّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا
كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ [البقرة: 79])) فهذا
القرآن الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، يخبرنا أن البشر قد
عبثوا بالكتب الربانية، ولم يبق على وجه الأرض كتاب بكلماته وحروفه كما أنزل من
عند الله إلا القرآن الكريم.
القرآن
الكريم هو المنهاج الرباني الأخير للبشر وهو آخر أمر يسأل الله عنه البشر يوم
القيامة فنزل القرآن ناسخا لما قبله، مهيمنا على ما قبله من الكتب، قال تعالى
((وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ
مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ..
[المائدة: 48]))، ولن يقبل الله دينا إلا هذا الإسلام.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الموضوع: الإيمــــــان بالملائكة ص: 52 - 57
@ الأهداف السلوكية:
() أن يتذكر الطالب مفهوم الإيمان بالملائكة وحكم من ينكرهم.
() أن يوضح الطالب مادة خلق الملائكة وصفاتهم ووظائفهم.
() أن يستدل الطالب على ما يقول بالأدلة من القرآن أو السنة النبوية.
() أن يستشعر الطالب أثر الإيمان بالملائكة على نفسه وفي حياته اليومية.
@ عناصر الدرس:
@ من هم الملائكة ؟
أجسام نورانية لطيفة قادرة على التشكل، لا يأكلون ولا يشربون ولا ينامون، لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون.
@ ما حكم من ينكر وجود الملائكة ؟
حكمه الكفر؛ لأن إنكار وجودهم يعني التكذيب بالقرآن، وتكذيب الله فيما أخبر به، وهو سبيل إلى إنكار النبوة.
@متى مبدأ خلق الملائكة ؟
خلقهم سابق لخلق آدم أبي البشر عليه السلام، وندرك ذلك من قوله تعالى ((وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ [البقرة: 30])).
@ كم عدد الملائكة ؟
لا يحصي عددهم إلا الله، ولكن جاء في الحديث أن صباح كل يوم منذ أن خلق الله الملائكة يطوف بالبيت المعمور 70ألف من الملائكة لا يعودون إليه إلى يوم القيامة.
@ ما صفات الملائكة ؟
الملائكة من مخلوقات الله الغيبية، التي لا يمكن إدراكها بالحواس الإنسانية، ولذا لا نستطيع أن نعرف عنهم شيئا إلا عن طريق الوحي ومن صفاتهم:
(1) أنهم مجبولون على طاعة الله وامتثال أمره، قال تعالى ((يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ [الأنبياء: 20])).
(2) لهم قدرات خارقة: فمنهم من يحمل عرش الرحمن، ومنهم من ينفخ في الصور، ومنهم من قلب ديار قوم لوط، قال تعالى ((وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ [الحاقة: 17])).
(3) أنهم أولو أجنحة متعددة: فمنهم من له جناحان، ومنهم من له ثلاثة، ومنهم من له أربعة، ومنهم من له أكثر من ذلك، قال تعالى ((الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَةٍ مَّثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [فاطر: 1])).
(4) أنهم قادرون أن يتمثلوا بصورة بشرية: فقد دخلت مجموعة منهم على إبراهيم عليه السلام في صورة آدميين يحملون إليه البشرى. قال تعالى ((هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ * إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَاماً قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ [الذاريات:24- 25]))، وحديث جبريل عليه السلام الطويل.
(5) لا يوصفون بالذكورة والأنوثة، قال تعالى (( وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثاً أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ [الزخرف: 19] )).
(6) لا يأكلون ولا يشربون، فقد جاء نفر من الملائكة إلى إبراهيم عليه الصلاة والسلام قال تعالى ((فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُواْ لاَ تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ [هود: 70])).
@ ما وظائف الملائكة ؟
تقوم الملائكة بأعمال كثيرة، ويؤدونها على أكمل وجه ومن هذه الأعمال:
☺ تسبيح الله وتنزيهه وتعظيمه وحمل العرش، قال تعالى ((الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ..[غافر: 7])) ((وَلَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِندَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ* يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ [الأنبياء:19- 20] )).
☺ تبليغ شرائع الله للرسل، قال تعالى ((يُنَزِّلُ الْمَلآئِكَةَ بِالْرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنذِرُواْ أَنَّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ أَنَاْ فَاتَّقُونِ [النحل: 2])).
☺ حمايتهم للرسول صلى الله عليه وآله وسلم ولجميع المرسلين والأنبياء: جاء في السيرة أن أبو جهل أراد أن يعفر وجه النبي صلى الله عليه وآله في التراب، فلما هم بذلك رأى خندقا من نار يحول بينه وبين النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال صلى الله عليه وآله وسلم " لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضوا عضوا “.
☺ تأييد الأنبياء والمؤمنين، قال تعالى (( إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلآئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ..[الأنفال: 12])).
☺ الاستغفار للمؤمنين، قال تعالى (( وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ [غافر: 7])).
☺ مراقبة أعمال الإنسان وتسجيلها، قال تعالى (( مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [ق: 18])).
☺ حراستهم لابن آدم وحفظه، قال تعالى (( وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً حَتَّىَ إِذَا جَاء أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ [الأنعام: 61] )).
☺ حث العباد على الخير وترغيبهم فيه: قال صلى الله عليه وآله وسلم " ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن وقرينه من الملائكة. قالوا: وإياك يا رسول الله ؟ قال: وإياي، ولكن الله أعانني عليه فأسلم، فلا يأمرني إلا بخير " رواه مسلم.
☺ قبض أرواح الناس عند انتهاء الأجل.. قال تعالى (( قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ [السجدة: 11])).
☺ سؤالهم الإنسان في القبر، قال تعالى (( يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللّهُ مَا يَشَاءُ [إبراهيم: 27])).
☺ الترحيب بأهل الجنة والسلام عليهم، قال تعالى ((وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ [الزمر: 73] )).
☺ تعذيب أهل النار، وتقريعهم، قال تعالى (( وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ [الزمر: 71])).
☺ تدوين أعمال المكلفين: قال تعالى ((مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [ق: 18])).
@ هل يجري على الملائكة الموت كما يجري على الأنس ؟
الملائكة يجري عليهم ما يجري على الإنسان من الموت، قال تعالى ((.. كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [القصص: 88])) غير أنهم لا يموتون إلا بعد النفخة الأولى قال تعالى ((وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاء اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُم قِيَامٌ يَنظُرُونَ [الزمر: 68])).
@ ما أثر الإيمان بالملائكة ؟
يدفع المؤمن إلى التشبه بهم، في الطاعة التامة لله، والامتثال لأوامره، والحرص على ما يحبه الله ويرضاه، وينمي مراقبته لله تعالى، ويدعوه إلى اجتناب كل ما فيه معصية لأنه يؤمن بوجود ملكين معه يسجلان عليه كل أعماله، أحدهما عن يمينه يحصي لله كل أعماله الخيرة، والثاني عن شماله، يحصي كل ما كسبه من آثام، قال تعالى ((إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [ق: 17-18])).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الموضوع: الإيمــــــان باليوم الآخر
ص: 58 - 63
@ الأهداف السلوكية:
☺ أن يتعرف الطالب على مفهوم الإيمان باليوم الآخر.
☺ أن يميز الطالب بين علامات الساعة الصغرى وبين العلامات الكبرى.
☺ أن يلخص الطالب أحداث اليوم الآخر من خلال الآيات القرآنية.
☺ أن يستشعر الطالب أهمية الإيمان باليوم الآخر في نفسه على حياته وأعماله اليومية.
@ عناصر الدرس:
@ المراد باليوم الآخر: يؤمن المسلم بأن لهذه الحياة الدنيا ساعة تنتهي فيها، ويوما آخر ليس بعده يوم، ثم تأتي الحياة الثانية في الدار الآخرة، فيجازى الأبرار بالنعيم ويجازى الفجار بالنار والعذاب المهين.
@ علامات الساعة: هناك علامات صغرى وعلامات كبرى؛ أما العلامات الصغرى فهي كثيرة، منها ما وقع ومنها ما يقع الآن ومنها ما سيقع في المستقبل وأول العلامات الصغرى بعثة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وما وقع منها: ( انشقاق القمر - حديث الذئب والبقرة تبشر ببعثة النبي صلى الله عليه وآله وسلم - قتال التتار، وغيرها.
|
ومنها ما يقع الآن: كثرة الزلازل – ارتفاع المباني الشاهقة – عقوق الوالدين - وجود السيارات - حصار العراق. |
|
ومنها ما سيقع في المستقبل: ( عودة الجزيرة العربية إلى مروج وأنهار - هدم الكعبة - الحرب مع اليهود في بيت المقدس |
|
- انحسار نهر الفرات عن جبل من ذهب - كثرة الكسوف والخسوف والزلازل - حصار دمشق وغيرها |
أما العلامات الكبرى أبرزها:
(1) خروج المسيح الدجال. (2) خروج يأجوج ومأجوج. (3) الدابة. (4) نزول عيسى عليه السلام. (5) طلوع الشمس من مغربها.
@ اضطراب الوجود، وحصول البعث والحساب:
(1) يبدأ اليوم الآخر بزلزال عظيم، فيصاب الجميع بفزع عام ورعب شامل، قال تعالى ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ [الحج: 1-2])).
(2) ثم يحدث نغير كامل في الوجود المحسوس فتنسف الجبال، وتفجر البحار، وتتبخر مياهها، وتنتثر الكواكب، ويجمع الشمس والقمر، وتتشقق السماء وتنفطر، وتبدل الأرض فكأنها غير الأرض، وتبدل السماء فكأنها غير السماء قال تعالى ((يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُواْ للّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ [إبراهيم: 48])).
(3) ثم ينفخ في الصور النفخة الأولى فيهلك من في السماوات ومن في الأرض قال تعالى ((وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاء اللَّهُ..[الزمر: 68] ))، وينفخ فيه مرة أخرى، فتعود الحياة إلى كل ميت، ويبعثون من قبورهم، قال تعالى ((ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُم قِيَامٌ يَنظُرُونَ..[الزمر: 68] )).
# وبعد البعث يأتي الحساب، فتنشر الصحف، ويقال لكل إنسان: ((اقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً [الإسراء: 14])):
- فمن كانت حسناته التي دونها ملك اليمين أكثر أوتي كتابه بيمينه بشارة له بأنه سوف يحاسب حسابا يسيرا، فيفرح وتطمئن نفسه ويقول ((فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَؤُوا كِتَابِيهْ [الحاقة: 19])).
- ومن كانت سيئاته التي دونها ملك الشمال أكثر أوتي كتابه بشماله، فيحزن على نفسه ويقول ((وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ [الحاقة: 25-27])).
- ويسأل الناس عن أعمالهم التي عرضت عليهم في هذه الصحف، قال تعالى ((فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِيْنَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الحجر:92- 93]))
- يؤتى بالشهود قال تعالى ((وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاء وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ [الزمر: 69])) وهم:
1) الملائكة الذين أحصوا الأعمال ودونوها في الصحف.
2) الأنبياء الذين كلفهم الله بتبليغ رسالاته، وقوله ((فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَـؤُلاء شَهِيداً [النساء: 41])).
3) أعضاء الإنسان نفسه قال تعالى ((الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [يس: 65])).
وتكون نتيجة الحساب إما خلود في الجنة للصالحين أو مكثا دائما في النار للكفار والمشركين.
@ منهج القرآن في الاستدلال على البعث والحساب:
- أدلة إمكانية الوقوع: استدل عليه بالعقل وذلك بدليلين: الأول: دليل غاية:
1- أن كل شيء في هذا الوجود المشاهد يدل على أنه له غاية يتجه إليها، قال تعالى ((مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنذِرُوا مُعْرِضُونَ [الأحقاف: 3] )).
2- لقد وجد الإنسان على أدق حكمة، وأتم وضع، وأحسن تصوير، وهو غير مختار في ذلك، فلا يمكن أن يترك مهملا دون نظام ولا غاية، قال تعالى ((أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى [القيامة: 36])).
3- أن الفعل الحكيم يختلف عن الفعل العابث بالغاية التي يتجه إليها، وكل ما في الوجود من كون وإنسان وحياة أفعال لله تعالى، والله حكيم منزه عن العبث وعليه فلا بد من البعث، قال تعالى ((أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ [المؤمنون: 115])) ولابد من الجزاء قال تعالى ((فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ* وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ [الزلزلة: 7- 8])).
4- أن عدالة الله تقتضي بعثا وجزاءا، وإلا حرم الصالحون والمجاهدون من ثواب أعمالهم، وأفلت الأشرار من العقاب الذي يستحقونه، قال تعالى (( أًمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أّن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاء مَّحْيَاهُم وَمَمَاتُهُمْ سَاء مَا يَحْكُمُونَ [الجاثية: 21])).
ثانيا: دليل القدرة: نعني به قدرة الله المطلقة التي خلقت السماوات والأرض وما فيها، فلا يمكن عقلا أن تعجز هذه القدرة المطلقة على إعادة الحياة بعد الموت، قال تعالى ((أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [الأحقاف: 33] )) .
أما وقوع البعث فإن الآيات كثيرة في كتاب الله والسنة النبوية ومنها: قوله تعالى ((أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ* أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ * قُلْ نَعَمْ وَأَنتُمْ دَاخِرُونَ [الصافات: 16- 18])).
كما قدمت نماذج من إحياء الله تعالى للموتى وقعت في تاريخ البشرية منها:
* قصة البقرة: حين اختلف قوم من اليهود في قتيل لم يظهر قاتله، فأوحى الله إلى موسى، أن يأمرهم بذبح بقرة واضربوه ببعضها، فأحياه الله وأخبر بقاتله وفي نهاية القصة يقول تبارك وتعالى ((فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [البقرة: 73] )).
* قصة الذي مر على القرية وهي خاوية على عروشها، فتعجب كيف يحييها الله بعد موتها، فأماته الله مائة عام ثم بعثه، فظن أنه لم يلبث إلا يوما أو بعض يوم لأن طعامه وشرابه لم يتغير فأخبره الله تعالى بالحقيقة ((أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىَ يُحْيِـي هَـَذِهِ اللّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللّهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِّلنَّاسِ وَانظُرْ إِلَى العِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [البقرة: 259] )) وبين الحكمة من ذلك بقوله ((وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِّلنَّاسِ )).
* قصة أصحاب الكهف، وهم فتية ءامنوا بربهم، وأووا إلى الكهف فرارا بدينهم، فجعلهم الله آية للعالمين، حيث لبثوا في كهفهم ثلاثمائة سنة وازدادوا تسعا، ثم بعثهم الله من مرقدهم، وذكر الحكمة في قوله ((وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِم بُنْيَاناً رَّبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِداً [الكهف: 21] )).
@ أثر الإيمان بالبعث والحساب على سلوك الفرد والجماعة:
إن الإيمان باليوم الآخر والبعث والحساب يؤثر في سلوك البشر تأثيرا ايجابيا لا يعدله أي تأثير آخر، وبيان ذلك فيما يلي:
1) أن هذا الإيمان يجعل لحياة الإنسان هدفا، لوجوده غاية، ومتى تحدد الهدف وجد العمل لتحقيقه، ومتى انعدمت الغاية، تحولت الحياة إلى ما يشبه حياة الحيوان أو أضل.
2) أكبر معين على تجديد الآمال، وتخفيف الآلام، وتهوين المصائب واحتمالها.
3) أقوى باعث على فعل الخير، واجتناب الشر، والتحلي بالفضائل، وإتباع شريعة الله، والتزام حدوده فيما يأتي وما يدع، لأنه يربط القلوب بخالقها العليم بخلجاتها، والمحيط بكل ميل من ميولها.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الموضوع: الإيمــــــان بالقدر
ص: 64 - 68
@ الأهداف السلوكية:
☺ أن يعرف الطالب مفهوم القدر اللغوي والشرعي.
☺ أن يرد الطالب على شبهة أن الإنسان مجبور على الكفر وفعل المعاصي
☺ أن يستشعر الطالب أثر الإيمان بالقدر في حياته وفي أعماله اليومية.
☺ أن يوضح الطالب مدى الترابط بين القدر وبين الأخذ بالأسباب وبين الدعاء.
@ عناصر الدرس:
@ مفهوم القدر اللغوي يقال:
* قدَّر الأمر: دبره، ومنه قوله تعالى ((وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاء لِّلسَّائِلِينَ [فصلت: 10])).
* قدر الشيء: هيأه، ومنه قوله تعالى ((إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ [المدّثر: 18])).
* وقدّر الله: عظمه، ومنه قوله تعالى ((وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ [الزمر: 67])).
* وقدر عليه الرزق: ضيق، ومنه قوله تعالى ((وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ [الفجر: 16])).
وبهذا يتبين أن كلمة (القدر) من الألفاظ المشتركة، التي لها عدة معان ولا بد من التحقق من المعنى الدقيق لها، بالاعتماد على اللغة والآيات التي وردت فيها.
@ مفهوم القدر الشرعي: أن ما من شيء في الأرض ولا في السماء إلا وقدره الله وسجله عنده في اللوح المحفوظ، فلا يقع في هذا الوجود شيء إلا وسبق أن قدره الله، وما سبق أن قدره الله لابد أن يقع، ولا مفر من وقوعه.
ومما يؤيد هذا المعنى من الآيات والأحاديث: قوله تعالى ((فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ [النمل: 57])) وقوله ((مَّا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَّقْدُوراً [الأحزاب: 38])) وقولـه ((مَّا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَّقْدُوراً [الأحزاب: 38])).
ومن الأحاديث الدالة على هذا المعنى قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم " واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء، لم ينفعوك إلا بشي قد كتبه الله لك، ولوا اجتمعوا على أن يضروك بشيء، لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، جفت الأقلام ورفعت الصحف “.
هذه النصوص الشرعية وغيرها تدل على أن الله تعالى يعلم الأشياء قبل وقوعها، ويعلم كيف ستقع، ومتى تقع، وأين تقع، ويعلم ما لم يقع لو وقع كيف يكون، وكنّى عن علمه ذلك بلفظ القدر، وبلفظ الكتابة وبلفظ العلم.
@ الدليل على القدر: ثبت أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال حين سئل عن الإيمان " أن تؤمن بالله وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره “ وروى الترمذي عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " لا يؤمن عبد حتى يؤمن بالقدر خيره وشره، وحتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه “.
@ القدر والمسئولية: هناك شبهة يرددها ضعاف الإيمان وهي:
إذا كان القدر لا مفر من وقوعه فهل الإنسان مجبر على القيام بأفعاله ؟
والجواب:
إن علم
الله تعالى لا يجبر العبد على القيام بالعمل؛ لأن الله تعالى علم أنه سيقوم بعمله مختارا،
لا بدافع معرفته لعلم الله.
إن العلم
بالمستقبل والخبر عنه كالعلم بالماضي والخبر عنه، ليس له تأثير في وجود المعلوم،
وذلك كعلمنا بالأمم السابقة وإخبارنا عنها، وكعلمنا بخصائص الأشياء، وكعلمنا
بأسماء الله وصفاته، وكعلمنا بالجنة والنار والبعث والحساب، وغير ذلك.
إن علم
الله تعالى لا ينكشف لأحد من الخلق قبل القيام بالعمل، حتى يحتج به في ترك الآخذ
بالأسباب وبذل الجهد في الأعمال.
إن بعض
الناس يتوصلون عن طريق الأدلة والقرائن إلى العلم بأن شيئا ما سيحصل، كعلم بعض
المعلمين نتيجة أحد الطلاب قبل إجراء الامتحان، وكعلم بعض العلماء بنزول المطر قبل
حصوله، ومع ذلك فلا يقول عاقل إن علم المعلمين هو الذي أجبر التلميذ على الرسوب مثلا،
أو أن علم العلماء هو الذي كان سببا في نزول المطر.
لو كان
علم الله يجبر العبد على القيام بأعماله لبطلت التكاليف الشرعية، وبطل الثواب
والعقاب المترتب عليها.
وعليه فلا يجوز للإنسان المسلم أن يترك الأخذ بالأسباب والمسببات، ويهمل الأعمال، ويرضى بالفقر والمرض والاستعباد، بحجة الاتكال على علم الله ونهى النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن الاتكال وأمر بالعمل، وعدم ربط العمل بالقدر لأن ذلك ربط بمجهول، لا ينتج إلا الكسل والخمول في قوله " ما منكم من نفس إلا وقد علم الله منزلها من الجنة والنار " قالوا: يا رسول الله فلم نعمل أفلا نتكل ؟ قال " لا – اعملوا فكل ميسر لما خلق له " ثم قرأ قوله تعالى (( فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى [الليل :5- 10])).
@ كيف فهم الصحابة القدر ؟
فهم الصحابة رضوان الله عليهم القدر بوجهه الصحيح، وأخذوا بالأسباب، وأقبلوا على الأعمال، ووقفوا ينكرون على من ترك الأخذ بالأسباب ويحتج بالقدر: فهاهو عمر بن الخطاب رضي الله عنه ينكر على أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه احتجاجه بالقدر؛ ففي عام طاعون ( عمواس ) خرج عمر رضي الله عنه يريد الشام، ولما علم بالطاعون وشدة إصابته، قرر العودة إلى المدينة، بعد أن استشار أصحابه، فقال له أبو عبيدة: أفرار من قدر الله يا عمر ؟ فاستغرب عمر رضي الله عنه القول وقال: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة ! ثم قال: نعم أفر من قدر الله إلى قدر الله.
@ أثر الإيمان بالقدر:
إن الإيمان بالقدر يبعث على الجرأة والإقدام وعدم المبالاة بما يعترض طريق المؤمن من مخاطر وصعاب، وعدم الجزع مما يصيبه من مرض وموت ونكبات، وعدم الغرور بما يناله من نعم وانتصارات.
فالذين يؤمنون بأنه ((قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللّهُ لَنَا هُوَ مَوْلاَنَا وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ [التوبة: 51])) وأن ما من شيء يقع إلا بقدر الله ((مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ [الحديد: 22])) فهؤلاء المؤمنون إذا اعتزموا أمرا اتخذوا له أسبابه، ومضوا فيه قدما لا يصدهم دونه خطر، ولا يقعدهم عنه بلاء أو ضرر، ولا تقف في وجههم عقبات، لأنهم يؤمنون بأن ما قدره الله سيقع قطعا، وأن ليس عليهم إلا أخذ بالأسباب والمسببات.
أمثلة من سيرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الأخذ بالأسباب والمسببات والرضى بالقدر:
* في الهجرة يوم بيت كفار قريش قتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
* في بدر يوم جابه جيش المشركين الجرار.
* في حنين لما انهزم جيشه في بداية المعركة.
وهذا ما كان عليه الصحابة رضوان الله عليهم يوم اندفعوا في الفتوحات، ويوم خرجوا إلى العالم يحملون إليه رسالة الإسلام.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الموضوع: كلمة الشهادة جامعة لأركان الإيمان
ص: 71 - 74
@ الأهداف السلوكية:
# أن يعرف الطالب بمعنى أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمد رسول الله.
# أن يعدد الطالب فضائل الشهادتين مذ ذكر الأدلة على كل فضيلة.
# أن يلخص الطالب ما تشتمل عليه الشهادة من أركان الإيمان.
@ عناصر الدرس:
تمهيد: كل بناء لابد وأن يقوم على أسس ثابتة، ودعامات تحفظه، والإسلام يقوم على أسس خمسة تدعى أركان الإسلام، وشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمد عبده ورسوله هي الركن الأول من أركان الإسلام.
@ معنى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله:
الشهادة: الإخبار بالشيء عن علم به واعتقاد لصحته وثبوته.
ومعنى ( أشهد أن لا إله الله ): أقر وأعترف مصدقا ومعتقدا جازما أنه لا يستحق العبادة إلا الله وحده لا شريك له.
ومعنى ( أشهد أن محمد عبده ورسوله ): أقر وأعترف مصدقا ومعتقدا اعتقادا جازما بأن محمدا عبد الله ورسوله إلى الناس كافة، بعثه شاهدا ومبشرا ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا.
@ فضائل كلمة الشهادة:
1. هي باب الدخول في الإسلام: فعن معاذ رضي الله عنه قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى اليمن فقال: " إنك تأتي قوما من أهل الكتاب، فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإن هم أطاعوا لذلك.... "
2. هي أول شعب الإيمان وأفضلها: عن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " الإيمان بضع وسبعون شعبة، أفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياة شعبة من الإيمان".
3. هي ثمن الجنة: جاء في الحديث " من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة “.
4. هي نجاة من النار، سمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم – مؤذنا يقول " أشهد أن لا إله إلا الله " فقال: " خرج من النار “.
5. هي أفضل الذكر: فقد ورد في الحديث " أفضل الذكر لا إله إلا الله “.
6. هي أمان من وحشة القبر وهول المحشر.
7. تفتح لقائلها أبواب الجنة: عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " ما منكم من أحد يتوضأ فيسبغ الوضوء ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء “.
8. أن أهلها وإن دخلوا النار بسبب تقصيرهم في حقوقها فإنهم لا يخلدون في النار بل يخرجون منها، فعن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: يقول الله عز وجل:" وعزتي وجلالي وكبريائي وعظمتي لأخرجن منها من قال: لا إله إلا الله “.
@ اشتمال كلمة الشهادة على أركان الإيمان:
الشهادة هي المفتاح الذي يدخل به الإنسان في الإسلام، وهي تتضمن جميع أصول الإيمان بالله تعالى، ومن ذلك:
* الاعتقاد الجازم بأن الله تعالى هو الحق.
* الاعتقاد الجازم بأن الله واحد لا شريك له، وفي ذلك براءة من الشرك بأنواعه.
* الاعتقاد بأنه سبحانه وتعالى متصف بكل كمال ومنزه عن النقائص ولا مشابهة بينه وبين مخلوقاته.
* الاعتقاد بأن جميع المخلوقات إنما أوجدها الله تعالى بقدرته ومشيئته.
* الإيمان بالملائكة، حيث كان جبريل يتنزل بالقرآن على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
* الإيمان بكتب الله التي أنزلها لتحديد معالم الحق والباطل، الخير والشر، والحلال والحرام، والحسن والقبيح.
* الإيمان بأنبياء الله ورسله الذين اختارهم الله ليكونوا قادة الخلق إلى الحق.
* الإيمان باليوم الآخر وما فيه من بعث وجزاء وعقاب وجنة ونار.
* الإيمان بالقضاء والقدر.
فمتى اعتقد المسلم أنه لا إله إلا الله، فإنه يصدق جازما بكل ما أمر الله تعالى به، وقد أمرنا سبحانه بكل ما تقدم من أركان الإيمان.
والشهادة أن محمدا رسول الله: تتطلب:
* الاعتقاد الجازم بأن رسالته – صلى الله عليه وسلم – هي عامة للإنس والجن قال تعالى (( قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً... [الأعراف: 158])).
* وبأنه خاتم الأنبياء والمرسلين، قال تعالى ((مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً [الأحزاب: 40])).
* وأن شريعته قد تعهد الله بحفظها وهي ناسخة لجميع الشرائع قبلها.
فجميع الدين داخل في الشهادتين إذ مضمونها أن نعبد الله وحده، وأن نطيع رسوله.
الموضوع: أهمية الثبات على العقيدة الصحيحة
ص: 75 - 79
@ الأهداف السلوكية:
* أن يتذكر الطالب معنى العقيدة والثبات والصبر لغة وشرعا.
* أن يميز الطالب بين الصبر وبين الثبات على العقيدة.
* أن يستشعر الطالب أهمية الثبات على العقيدة في حياته اليومية.
* أن يضرب الأمثلة على صبر الأنبياء والصحابة والعلماء في الثبات على العقيدة.
* أن يجيب على التساؤل: ما سر ثبات المسلمين على دينهم وعقيدتهم ؟
* أن يعدد فوائد الثبات على العقيدة الصحيحة سواء كانت عائدة على الفرد أو المجتمع أو على العقيدة نفسها.
@ عناصر الدرس:
@ فائدة عوامل انتصار العقيدة الصحيحة:
1) تعمل على ترسيخ العقيدة في القلوب.
2) تؤتي ثمارها في سلوك الأفراد وتربيتهم.
3) تؤتي ثمارها في إقامة المجتمع وتوجيهه.
@ الثبات: رد فعل إيجابي نتيجة حالة طارئة، تستهدف عقيدة المرء وفكره.
@ الصبر: ترك الشكوى من ألم البلوى لغير الله. وهو نوعان:
الأول: صبر على الطاعات أي: عندما يؤدي العبد العبادات من صلاة وصيام وحج وغيرها، فإنه يصبر على ما تحتاج إليه هذه العبادات من مشقة وجهد.
الثاني: صبر عن المعاصي؛ فإنه عندما تعترض عليه المعاصي والفتن تراه يبتعد عنها ويصبر نفسه عن الوقوع فيها.
@ مدى الحاجة للثبات: كحاجة الجسم إلى الماء والغذاء، إذ لا يتصور لعقيدة أن تنتصر، ولا لفكر أن يسود، إذ لم يرافق ذلك ثبات وصمود أمام ما يواجه تلك العقيدة وذلك الفكر من محن وشدائد؛ ولذا فإن دعاء الإنسان المؤمن في مواجهة الشدائد والصعاب ((وَلَمَّا بَرَزُواْ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُواْ رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ [البقرة: 250])).
@ نماذج للثبات في سير الأنبياء:
1- قصة سيدنا إبراهيم عليه السلام مع قومه، ودعوته إياهم إلى الإيمان بالله تعالى، وترك ما هم عليه من عبادة للأصنام، ومحاولتهم إحراقه، حيث ثبت سيدنا إبراهيم عليه السلام على دعوته، وهان عليه من أجلها إلقاؤه في النار.
2- مواقف سيدنا موسى عليه السلام مع فرعون الذي ادعى لنفسه الألوهية وطغى وبغى وقال للناس أنا ربكم الأعلى، وليس لكم إله غيري، مواقف كلها ثبات وتضحية من أجل العقيدة والمبدأ.
3- مواقف من سيرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وهو خاتم الأنبياء والمرسلين، فهي سجل حافل بالتضحيات من أجل العقيدة، بل صرح شامخ في الثبات على العقيدة والمبدأ، وما زاده اضطهاد قومه له إلا إصرارا على دعوتهم، وحبا في هدايتهم.
@ نموذج من ثبات الصحابة:
1) الصحابي المجاهد خبيب بن عدي عندما أسره المشركون في إحدى السرايا، يسأله أحد المشركين بقوله: أتحب أن محمدا مكانك وأنت سليم معافى في أهلك ؟ فانتفض خبيب كالإعصار، وصاح في وجهه قائلا: والله ما أحب أن أكون في أهلي وولدي، ومعي عافية الدنيا ونعيمها، ويصاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بشوكة.
وعندما أبلغه المشركون بأنهم سيقتلونه استأذنهم في أن يصلي ركعتين، فوافقوه وسمحوا له، ظنا منهم أنه سيحدث نفسه بالعودة عن دين محمد ويعلن الكفر بالله ورسوله، حيث وعدوه إن فعل ذلك سيطلقون سراحه.
وبعد أن فرغ من صلاته التفت إلى قاتليه, وقال: والله لولا أن تحسبوا أن بي جزعا من الموت، لازددت صلاة. بعد ذلك، صلبه المشركون، ثم قتلوه رضي الله عنه.
2) الصحابي المجاهد عبد الله بن حذافة السهمي وقع أسير مع بعض المسلمين في أحد المعارك مع الروم في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وأغراه ملك الروم أنه إذا تنصر أن يزوجه ابنته ويعطيه نصف ملكه، وقد حاول إذلاله بشتى الطرق من قبل ولم يفلح. وكل ذلك وهو صابرا على الأسر ومن ذلك أنه أدخل عليه أسد جائع ولم يأكله بل انصرف عنه، وملك الروم يرى ذلك، وأحضر قدر كبير مملوء بالزيت الحار المغلي بالنار وألقي فيه اثنين من المسلمين فذابا من أثر الزيت ولما أمر أن يرمى ابن حذافة بكى فظن ملك الروم أنه ندم ويريد أن يتنصر فقال أرجعوه فلما رجع سأله عن سبب بكائه قال: إني لا أملك إلا نفسا واحدة وتمنيت أن يكون لي مئة نفس كلها تخرج في سبيل الله يرى ذلك، ثم طلب منه ملك الروم أن يقبل رأسه ويتركه يذهب فقال: ومن معي من أسرى المسلمين، فقبل رأسه وأطلق أسره وأسرى من معه من المسلمين.
@ ما سر ثبات المسلمين على دينهم وعقيدتهم ؟
إن خصائص ومميزات العقيدة الإسلامية قد جعلها عقيدة فريدة بين ما عرفه الإنسان من عقائد على وجه الأرض، ومن أبرز خصائص العقيدة الإسلامية الثبات، أي أنها لا تتغير ولا تتبدل بتغير الأزمنة والأمكنة؛ لأنها منبثقة عن علم الله سبحانه، وعلمه ثابت لا يتغير، وميزة الثبات في العقيدة الإسلامية، أنها تطبع سلوك المؤمن بها، فيثبت صاحبها كالطود أمام كل المحن والمغريات.
ولقد أدرك أعداء الإسلام، قديما وحديثا هذه الخصيصة في العقيدة الإسلامية، وما توجده عند المؤمن من تشبث بها واستقامة عليها، ولذلك فهم لا يفتأون يقاومونها بكل الأساليب والوسائل، بالبطش والتعذيب والتصفية الجسدية حينا، وبالتشويه والتنصير والتضليل الثقافي والفكري حينا آخر.
ولكن الله سبحانه الذي تكفل بنصر هذه العقيدة، لن يخذل عباده، وسيبقى دين الله تعالى هو السائد والمهيمن والباقي، بحفظ الله عز وجل له.
@ فوائد الثبات على العقيدة الصحيحة:
(1) يعمق ثقة الفرد بنفسه واعتداده بها، ويخلصه من التبعية لأفكار غيره من بني البشر، حيث إن الإنسان لا يستطيع العيش من دون فكر.
(2) يعمق لديه حس الشعور بالمسئولية نحو العقيدة وعدم التهاون بها.
(3) يحمله على التضحية والبذل من أجل بقاء العقيدة واستمرارها.
(4) يكسبه رضا ربه وثوابه، وتقدير الناس واحترامهم.
(5) يحفظ المجتمع من الأفكار المنحرفة والعقائد الفاسدة والثقافات الدخيلة.
(6) يصون العقيدة ويقيها من عوامل التفكك والتمزق والضياع.
(7) يجعل الناس يقبلون على العقيدة وفهمها ومعرفة آثارها الإيجابية في الحياة.
الموضوع: الشرك وأنواعه
ص: 80 - 85
@ الأهداف السلوكية:
(*) أن يعرف الطالب معنى الشرك والكفر لغة وشرعا.
(*) أن يوضح الطالب أسباب الشرك الذي حدث من بني آدم ومن أول من عرف بالشرك وكيف انتشر في جزيرة العرب.
(*) أن يرسم الطالب رسما توضيحيا لأنواع الشرك.
(*) أن يفرق الطالب بين الشرك الأكبر والشرك الأصغر وبين الكفر وبين الشرك.
(*) أن يضرب الطالب الأمثلة على أنواع الشرك بمثالين لكل نوع.
@ عناصر الدرس:
@ الشرك: أن يجعل الإنسان لله شريكا في ربوبيته أو في ألوهيته، تعالى الله عن الشركاء والأنداد، والشرك ضد التوحيد.
@ أول من عرف بالشرك:
قوم نوح عليه الصلاة والسلام، قال تعالى ((وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلَا سُوَاعاً وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً [نوح: 23])) وفي الصحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما قال في هذه الآية: هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجـالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابا فنشأ قوم بعدهم فعبدوهم.
@ من أسباب الشرك:
الغلو في الصالحين، ولهذا قال تعالى ((يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقِّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَلاَ تَقُولُواْ ثَلاَثَةٌ انتَهُواْ خَيْراً لَّكُمْ إِنَّمَا اللّهُ إِلَـهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللّهِ وَكِيلاً [النساء: 171])).
والخطاب وإن كان لأهل الكتاب فهو يتناول جميع الأمة تحذيرا لها من أن تفعل كما فعلت النصارى في عيسى، وكما فعلت اليهود في عزير.
ولهذا نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن المبالغة في إطرائه فقال " لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله “.
@ كيف انتشر الشرك في الجزيرة العربية:
خرج عمرو بن لحي الخزاعي من مكة إلى الشام فرأى أهلها يعبدون الأصنام، وكان العرب في ذلك الوقت على فطرة التوحيد.
فقال عمرو: ما هذه الأصنام التي أراكم تعبدون ؟ قالوا له: هذه آلهة نعبدها نستمطرها فتمطرنا، ونستنصرها فتنصرنا. فقال لهم: أفلا تعطوني منها واحد فأسير به إلى أرض العرب فيعبدوه. فأعطوه صنما يقال له هبل، فقدم به مكة فنصبه وأمر الناس بعبادته وتعظيمه وانتشرت عبادة الأوثان في الجزيرة العربية، وشاع الشرك في أهلها وابتعدوا عن عقيدة التوحيد. قال صلى الله عليه وآله وسلم: " رأيت عمرو بن عامر بن لحي الخزاعي يجر قصبة في النار، وكان أول من سيب السوائب وغير دين إبراهيم “.
@ أنواع الشرك:
(1) الشرك الأكبر:
- هو أن يجعل مع الله ربا آخر: كشرك النصارى الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة، وشرك الذين يسندون حوادث الخير إلى النور وحوادث الشر إلى الظلمة، وكذلك للذين يزعمون بأن أرواح الصالحين تقضي لهم الحاجات، وتحفظ من التجأ إليها وتجيب من دعاها وتفرج كربته.
- ومن الشرك الأكبر أن تجعل مع الله إلها آخر: رسولا، أو ملكا، أو وليا، أو شمسا أو قمرا يعبده كما يعبد الله
- يدعو غير الله أو يذبح لغير الله، أو ينذر لغير الله، أو يستغيث بغير الله، فصرف أي نوع من أنواع العبادة لغير الله شرك أكبر.
- وهذا النوع من الشرك:
1. لا يغفره الله تعالى.
2. هو يخرج من ملة الإسلام.
3. ينافي التوحيد قال تعالى ((إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً [النساء: 48])).
4. مقترف هذا النوع من الشرك إن مات على شركه فهو من المخلدين في نار جهنم وتحرم عليه الجنة قال تعالى (( لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُواْ اللّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللّهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ [المائدة: 72])).
- لا يشترط أن يساوي المشرك ما يدعوه من دون الله بالله من جميع الوجوه، بل يكون مشركا كل من أثبت لله شريكا، ولو جعله أقل من الله في القدرة والعلم.
(2) الشرك الأصغر: هو كل وسيلة وذريعة يتطرق بها إلى الشرك الأكبر، ومن أمثلته:
* الرياء: أي إظهار العبادة بقصد رؤية الناس لها، فيثنون على صاحبها؛ فمن صلى رياءً أو جاهد رياءً، أو عمل أي عمل، أو قال أي قول يرائي فيه؛ فقد أشرك الشرك الأصغر، وفي النهي عن هذا الشرك يقول تعالى ((.. فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً [الكهف: 110])).
* الحلف بغير الله بقصد التعظيم: كالحلف بالنبي أو الكعبة أو الأمانة، أو الشرف، أو حياة فلان، أو رأس الأم والأب وغيره، فمن حلف بأي مخلوق فقد أشرك لأن الحلف تعظيم، والتعظيم لا يكون إلا لله، واليمين في هذه الحالة لا تنعقد، ولا كفارة عليه إذا حنث، ويأثم لتعظيمه غير الله. وقال صلى الله عليه وآله وسلم: " لا تحلفوا بآبائكم ولا بأمهاتكم ولا بالأنداد، ولا تحلفوا إلا بالله، ولا تحلفوا إلا وأنتم صادقون " .
* قول القائل: ( ما شاء الله وشاء فلان ) أو ( أنا متوكل على الله وعليك ) أو ما شابه ذلك: فالواجب أن يقول: ما شاء الله ثم ما شاء فلان، أنا متوكلا على الله ثم عليك، وهكذا، والفرق بين الواو وثم هو أن الواو تقتضي التشريك والتسوية، وثم تقتضي الترتيب والتعقيب. قال صلى الله عليه وآله وسلم " لا تقولوا ما شاء الله وما شاء فلان ولكن قولوا ما شاء الله ثم ما شاء فلان “.
وهذا النوع من الشرك يخفى على كثير من الناس ( أي الأصغر ) قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " الشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النملة السوداء على صفاة سوداء في ظلمة الليل “ وكفارته أن يقول الإنسان قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم " اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم وأستغفرك من الشرك الذي لا أعلم “.
@ الفرق بين الشرك الأكبر والأصغر
|
الشرك الأكبر |
الشرك الأصغر |
|
1- يخرج من ملة الإسلام. |
1- لا يخرج من ملة الإسلام. |
|
2- من مات وهو عليه فلا يغفر له. |
2- من مات وهو عليه فكغيره من الذنوب. |
|
3- محبط لجميع الأعمال. |
3- محبط للعمل الذي قارنه ودخل عليه. |
@ الفرق بين الشرك والكفر:
|
الشرك |
الكفر |
|
هو أنه يؤمن بوجود الله ولكن يدعو غيره معه. |
هو إنكار الخالق تبارك وتعالى. أو إنكار نبيا من الأنبياء أو إنكار يوم البعث أو كتابا من الكتب السماوية، أو يحلل حراما، أو يحرم حلالاً. |
@ التحذير والخوف الشديد من الشرك:
الشرك أعظم أمر يجب الاحتراز منه، لأنه أعظم الذنوب وهو يحبط الأعمال، فلا ينتفع المشرك بعمله، قـال تعـالى ((وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُوراً [الفرقان: 23]))، والله سبحانه وتعالى يغفر الذنوب كلها إلا الشرك، قال تعالى ((إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً [النساء: 48])). وقال تعالى((إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيداً [النساء: 116]))
والحياة التي يهيمن عليها الشرك تعافها النفوس الزكية، وتأنفها الطبائع الإنسانية؛ لأن الشرك يجعل الإنسان عبدا للمخلوق، ولأنه يقلب الأوضاع فيجعل الحق باطلا والباطل حقا.
الموضوع: الإيمان والعمل الصالح
ص: 86 - 90
@ الأهداف السلوكية:
* أن يتعرف الطالب على أهمية العمل في الإسلام.
** أن يوضح الطالب كيف تتحقق السعادة الحقيقية للإنسان.
*** أن يشرح الطالب مقولة أن العمل عبادة.
**** أن يستخرج الطالب شروط العمل الصالح.
***** أن يستدل الطالب على اهتمام الإسلام بالعمل بأمثلة من السنة النبوية.
****** أن يعدد الطالب حقوق العامل التي أقرها الإسلام وواجباته.
@عناصر الدرس:
@ العمل مترجم للإيمان وأثرا له:
إن الله سبحانه وتعالى قد جعل العمل دليلا على الإيمان وترجمانا له، لأن العمل من لوازم الفطرة واستمرار الحياة وقد جاء قوله تعالى ((وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ [هود: 61])) معرض دعوة صالح عليه السلام لقومه ثمود إلى الإيمان بالله وحده، وعبادته وحده، كدليل عملي ملموس على أنه لا إله إلا الله، وأن من الآيات الدالة على ذلك خلق الإنسان من الأرض ( التراب )، ثم عمله فيها ليكسب من رزق الله. ((وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [العصر: 1-3])).
@ سعادة الإنسان تتحقق بالعمل والإيمان:
للناس مذاهب شتى في النظر إلى السعادة، فترى أحدهم يظنها في جمع المال وتكديسه فيجد ويعمل لإحرازه، وآخر يراها في الحصول على الجاه والمركز الاجتماعي، ولكن الواقع المحسوس والمشهود ينبئنا أن الإنسان بمجرد حصوله على المال أو المركز أو الجاه وما يتبع ذلك فإنه يبقى قلقا حائرا غير مستقر. ولابد من استعراض بعض الحقائق:
* لقد تقدمت كثير من الدول في مجالات العلوم والصناعة والاكتشافات، حتى استطاعت ريادة الفضاء والوصول إلى القمر وغيره من الكواكب؛ ولكن هل تحققت سعادة الإنسان في تلك الدول ؟ أم أن جرائم الانتحار، ومآسي المخدرات وفضائح الاقتصاد قد ازدادت وأصبحت بلا حدود !
* لقد عمّرت كثير من الدول الأرض، واستخرجت ما في باطنها من كنوز، وتوصلت إلى مضاعفة الإنتاج في مختلف مجالاته، وأثري الأفراد؛ فهل تحققت سعادة الإنسان فيها ؟ ولماذا تلقى ملايين الأطنان من الحبوب في مياه البحر في حين انتشرت المجاعات في بعض الشعوب ؟
* هناك بعض العقائد والفلسفات التي تركز في نفوس معتنقيها البعد عن الحياة واعتزالها، وترك المجد والعمل في الحياة، فهل تحققت سعادة الأفراد الذين يؤمنون بتلك العقائد ؟ وما تأثيرها على مجتمعاتهم ؟
فما الذي ينقصه ؟ وما الذي يحقق له السعادة الحقيقية ؟
لقد خلق الله تعالى الإنسان، وهو وحده العليم بما ينفعه، ويحقق له السعادة؛ فاقتضت حكمته سبحانه وتعالى أن سعادة الإنسان لا تتحقق بالعمل المقطوع عن الإيمان، ولا بالإيمان المجرد من العمل؛ وإنما تتحقق بالإيمان الكامل بالله عز وجل وبالعمل الصالح الذي ينبثق عن ذلك الإيمان.
@ شروط العمل صالحاً:
1- النية الخالصة الصادقة التي تريد العمل لله وحده.
2- أن يكون العمل نافعا للفرد والأمة وللبشرية جمعاء.
3- الالتزام والتقيد بالشرع في كل عمل يقوم به الإنسان.
@ العمل عبادة:
هناك رباط وثيق بين الإيمان والعمل الصالح، ولذا عدّ الإسلام العمل عبادة، وهذا ما يفسر في أن الأنبياء جميعهم كانوا يعملون، فقد كان داود عليه السلام صانع دروع، ونوح عليه السلام نجارا، وما من نبي إلا وقد رعى الغنم. ولقد كان صحابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم حرف وأعمال فقد كان أبوبكر رضي الله عنه بزازا ( بائع ثياب ) وعثمان رضي الله عنه ( تاجرا) وكان سعد بن أبي وقاص (يصنع النبال) وكان المهلب بن أبي صفرة (بستانيا ) وهكذا كان لكل من صحابته صلى الله عليه وآله وسلم عمل يؤديه.
ولقد أدرك أئمة الإسلام وعلماؤه قيمة العمل وأثره في تقدم الجنس البشري وسعادته، حتى أن كثيرا منهم لم ينسب إلى آبائه وأجداده وعشيرته، بل نسب إلى حرفته أو الصنعة التي يمارسها، كالإمام البزاز والقفال، والزجاج، والخياط والقطان والفراء وغيرهم من العلماء والفقهاء.
@ توجيهات نبوية إلى العمل:
الدعوة إلى العمل الصالح بمفهومه المطلق الذي يشمل الدعوة إلى الله تعالى والجهاد في سبيله والإنفاق من أجل مرضاة الله كانت الشغل الشاغل لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أما العمل بمفهوم الجهد الفكري أو العضلي فقد أولاه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم عنايته واهتمامه، ولقد تعددت أفعاله وأقواله صلى الله عليه وآله وسلم في مجال الحث على العمل والدعوة إليه ومن ذلك: جاء في الحديث الشريف:
(1) ( أن رجلا من الأنصار أتى إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم يسأله عطاء، فقال له:" أما في بيتك شيء" ؟ قال: بلى يا رسول الله حلس نلبس بعضه، وقعب نشرب فيه من الماء. قال: " ائتني بهما “، فأتاه بهما، فأخذهما عليه السلام بيده وقال " من يشتري هذين ؟ " قال رجل: أنا آخذهما بدرهم. قال رسول الله " من يزيد على درهم ؟ قال رجل : أنا أخذهما بدرهمين . فأعطاهما إياه. فأخذ الدرهمين للأنصاري وقال " اشتر بأحدهما طعاما فانبذه إلى أهلك، واشتر بالآخر قدوماً فأتني به “، فأتاه به، فشدّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عودا بيده، ثم قال " اذهب واحتطب وبع، ولا أريتك خمسة عشر يوما " ففعل، فجاء وقد أصاب عشرة دراهم فاشترى ببعضها طعاما، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " هذا خير من أن تجيء المسألة نُكتة في وجهك يوم القيامة “.
(2) ( أنه مر على النبي صلى الله عليه وآله وسلم رجل، فرأى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من جلده ونشاطه، فقالوا: يا رسول الله لو كان هذا في سبيل الله. فقال صلى الله عليه وآله وسلم: " إن كان خرج يسعى على ولده صغارا فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على نفسه فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى رياءً ومفاخرة فهو في سبيل الشيطان “.
@ قوانين العمل في الإسلام:
لم يكتف الإسلام بالترغيب في العمل والحث عليه، بل عمد إلى تنظيمه وإقامته على أسس واضحة ليكفل استمراره وإنتاجيته في المجتمع، فبين الإسلام:
أولا: الأعمال التي يجوز للإنسان المسلم ممارستها:
- العمل بأجر للآخرين - الصناعة - الزراعة - التجارة - كل عمل فيه نفع للفرد والأمة.
ثانيا: حذر المسلم ونهاه من ممارسة أعمال:
- كالسحر - الشعوذة - اليانصيب - وتعاطي الربا - فتح دور المجون واللهو – كل عمل له أثر سلبي على الفرد والمجتمع.
ثالثا: بين الإسلام حقوق العامل وواجباته:
D فقد قرر له: الأجر العادل - ودفع الأجر دون مماطلة - الرفق به وكفالته عند العجز - رعايته صحيا.
D أوجب عليه: الإخلاص في العمل - والدقة فيه - والأمانة في ممارسته - وضرورة التفقه في دينهم لمعرفة الحلال والحرام، وغير ذلك مما يكفل إنتاجا طيبا وعطاء مستمرا.
الموضوع: الإيمان والمسئولية
ص: 91 - 96
@ الأهداف السلوكية:
* أن يعرف الطالب حدود مسئولية الإنسان.
* أن يعدد الطالب صور من المسئولية كما بينها الإسلام.
* أن يشرح الطالب بعض من صور المسئولية بشيء من الإيجاز.
* أن يستشعر الطالب أهمية المسئولية في الإسلام وأثر ذلك في حياته اليومية.
@ عناصر الدرس:
@ تمهيد:
قامت السماوات والأرض منذ أن خلقهما الله سبحانه، على الحق، وتوزيع المهمات، وأداء الأدوار، إذ كل ما في الوجود ميسر لما خلق له، و كل مخلوق في هذا الكون يتحمل مسئولية معينة؛ ولكن مسئولية الإنسان من بين سائر المخلوقات، مسئولية مختلفة، فهي واعية مدبرة مختارة مريدة، يستطيع الإنسان القيام بها إلى أقصى ما تؤهله له قدراته واستعداداته، كما يمكنه أن يتهاون فيها ولا يؤديها كاملة، فيظلم نفسه ومجتمعه، وقد أشار الله عز وجل إلى هذه المعاني جميعها في قوله ((إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً [الأحزاب: 72])).
@ صور من المسئوليات التي حددها الإسلام:
جاء الإسلام بنظام شامل للحياة، فلم يترك أمرا صغير أو كبيرا إلا ووضع له الأسس والقواعد ما ينظمه ويجعله يسير وفق ما أراده الله تعالى في هذا الكون، وأسند أمر القيام بهذا التنظيم وتنفيذه للإنسان، وحمله مسئولية العمل الذي يؤديه، واعتبر تفريط المسلم في عمله، مهما كان العمل يسيرا، اعتبره تفريطا بالإسلام كله، قال صلى الله عليه وآله وسلم " أنت على ثغرة من ثغر الإسلام فلا يؤتين من قِبلك “. وإليك بعض من صور المسئولية في الإسلام:
(1) مسئولية الحاكم في الرعية:
تعد من أعظم المسئوليات وأضخمها في المجتمع:
فهو
المسئول عن توجيه المجتمع بالإسلام.
محاربة
التيارات الإلحادية والفكرية المنحرفة.
أنه
مسئول عن إقامة شعائر الإسلام وتطبيق مبادئه وحدوده
إقامة
العدل ورعايته بين جميع أفراد المجتمع، حتى يشعر الجميع بالطمأنينة على حقوقهم،
وعليه إشاعة الأمن والاستقرار في رعيته.
من
مسئوليته نحو أمته نشر العلم وتعميم مؤسساته ومحاربة الجهل والقضاء على أسبابه.
تأمين
العمل الكريم لكل مواطن.
رعاية
حقوق الناس على اختلاف أديانهم ونزعاتهم.
ولهذا اشترط الإسلام في الحاكم أن يكون مؤمنا صادقا في إيمانه، قويا في دينه وإدارته لدفة الأمور، شفيقا بأمته، حريصا على ما ينفعها.
وقد بشر النبي صلى الله عليه وآله وسلم الحاكم ذو الصفات السابقة بأنه على منبر من نور يوم القيامة " إن المقسطين عند الله على منابر من نور، الذين يعدلون في حكمهم وماولوا “؛ أما إذا أخل الحاكم بمسئولياته تجاه أمته، فلم يقم الحكم على أساس من العدل والشورى، ولم يهتم بأمور المسلمين، والدعوة إلى الله، ومات وهو غاش لرعيته، فإنه يستحق غضب الله، وحرمانه من الجنة، قال صلى الله عليه وآله وسلم " ما من عبد يسترعيه الله رعية، يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة “ وبهذا يتضح لنا أن مسئولية الحاكم في الإسلام هي مسئولية إيمانية؛ أي أن الإيمان هو الموجه لها، إذ لا سلطان على الحاكم سوى سلطان الله عز وجل.
(2) مسئولية الوالدين في الأسرة:
للأسرة في الإسلام أهمية، فهي الخلية الأولى في المجتمع، ومن مجموع الأسر يتكون المجتمع، فإذا كانت هذه الخلايا صالحة، وقائمة على أسس من الأخلاق الحميدة والمزايا الفاضلة، فإن المجتمع يكون صالحا وفاضلا.
ولذا فإن إنشاء الأسرة الصالحة هي مسئولية الوالدين، وهي أولى مسئولياتهما وأعظمها، ولا رقيب على تنفيذ هما هذه المسئولية سوى إيمانهما، حيث تبدأ هذه المسئولية من اللحظة الأولى التي يفكر فيها الرجل والمرأة بإنشاء الأسرة فعلى الزوج أن يختار المرأة الصالحة ذات المنبت الحسن الذي عرف بالصلاح والاستقامة، وعلى الزوجة ألا تقبل إلا الشخص الكفء الذي عرف بالخلق والدين.
وهناك مسئوليات أخرى بين الزوجين تتفاوت في أهميتها، لكن جميعها يصقلها الإيمان ويحفظها، ويمكن إجمال بعض هذه المسئوليات:
الاحترام
المتبادل بين الزوجين.
الاهتمام
بتربية الأبناء وتنشئتهم تنشئة صالحة.
الإنفاق
على الأسرة والتزام الاعتدال فيه.
التشاور
بين الزوجين وتبادل الآراء واحترامها.
المحافظة
على سمعة الأسرة.
التعاون
بين الزوجين في إدارة شئون الأسرة.
(3) مسئولية الموظف في عمله:
من المسئوليات الهامة التي حرص الإسلام على إحكام صلتها وربطها بالإيمان أمرُ الوظائف العامة في الدولة، وما يجب أن يتصف به سلوك الموظفين في وظائفهم من حيث معاملتهم للناس ومحافظتهم على حقوقهم، ومن حيث دقة العمل وإنجازه، والتزام العفة والنزاهة في وظائفهم.
فإذا لم يقم الموظف بعمله وفق ما أمره الإسلام، فإن حقوق الناس ومصالحهم تتعرض للخطر وربما للضياع، كما أن استغلال الموظف لوظيفته يسيء إلى المصالح العامة للأمة، فتضطرب الأمور بدلا من أن تستقر، وتسود الفوضى وعدم الثقة، ويعم القلق والتذمر حياة الناس.
ولذا شدد الإسلام على ضرورة إسناد الوظائف العامة إلى المؤهلين لها، والقادرين على تحمل مسئولياتها، وأبعد عنها من ليس كفء لها حيث ثبت أنه صلى الله عليه وسلم لم يول بعض الأشخاص وظائف معينة لرقة زائدة في سلوكهم وطبعهم، أو لشدة متطرفة في تصرفاتهم، وقد كان صلى الله عليه وآله وسلم يتابع موظفي الدولة، ويتأكد من قيامهم بالعمل ونزاهتهم فيه حتى أنه منع الموظف من قبول الهدية ممن يتعلق بهم عمله، مخافة المحاباة وتفضيل من يقدم الهدية على غيره، كل ذلك في سبيل حفظ الحقوق ورعايتها، والمحافظة على هيبة الدولة وقوتها.
ولقد جرى الخلفاء الراشدون رضي الله عنهم على هذا المبدأ، حيث حاسب عمر بن الخطاب رضي الله عنه ولده عبد الله، وأخذ ربحه ووضعه في بيت مال المسلمين، مخافة أن يكون لولايته أمور المسلمين أثر في زيادة ربحه.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الموضوع: الإيمان والجهاد
ص: 97 - 104
@ الأهداف السلوكية:
* أن يعرف الطالب مفهوم الجهاد لغة وشرعا.
* أن يبين الطالب حكم الجهاد والحالات التي يتعين فيها الجهاد .
* أن يوضح الطالب أسباب الجهاد وأهدافه.
* أن يلخص الطالب الأمور التي يدعو إليه الجهاد وأنواعه.
* أن يستشعر الطالب أهمية الجهاد والتحذير من تركه وعاقبة ذلك على الفرد والأمة
@ عناصر الدرس:
@ تمهيد: إن من يستقرئ تاريخ الإنسانية يجد أن صلاح أهل الأرض كان دائما مرهوناً بعزة المؤمنين، وقيادتهم للبشرية، وأن فساد الناس كان دائما مرتبطا بخلو منصب القيادة الإنسانية من هذه الفئة من الناس، وأن من سنن الله في عباده، ما قرره الله سبحانه وتعالى في قوله ((.. وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَـكِنَّ اللّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ [البقرة: 251]))، وهكذا فإن صلاح الحياة الإنسانية مترتب على استقامتها على الحق، الذي يهيئ الله تعالى له من يحمل لواءه ويدافع عنه. فالجهاد مصطلح إسلامي و فريضة محكمة دائمة فرضها الله سبحانه وتعالى على المسلمين، ولا نجد لها نظير في غير الإسلام، وهي فريضة مهمة، وعبادة سامية، وهي ذروة سنام الإسلام، ولقد شرف الله الأمة الإسلامية بها تكريما لها وإجلالا لشأنها بين الأمم في كل زمان ومكان، بل أن سبحانه قد اختار هذه الأمة لتلك المهمة ((وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ..ُ [الحج: 78]))؛ فالأمة الإسلامية – لحكمة بالغة من الله عز وجل – أمة مجاهدة عزيزة الجانب لا تخضع لغير الله ولا ترضى بذل، ولا تستكين إلى هوان ولا تركن إلى ترف بل تسعى دائما لإعلاء كلمة الله ونصرة الحق والدفاع عن العقيدة وعن كل مظلوم على هذه الأرض.
@ معنى الجهاد:
لغة: مأخوذ من: 1) ( الجَهد ) بمعني المشقة، لما فيه من ارتكابها.
2) (الجُهد ) بمعنى الطاقة، لأن المجاهد يبذل طاقته في دفع ومقاتلة الأعداء.
اصطلاحا ( شرعا ): هو استفراغ الوسع والطاقة في مدافعة الأعداء وقتالهم لكي نقيم حياتنا على هذه الأرض على النظام الإسلامي تنفيذا لأمر الله وتطبيقا لشريعته وإعلاء كلمته.
@ حكم الجهاد:
فرض الله عز وجل الجهاد على المسلمين في السنة الثانية من الهجرة، في قوله تعالى ((كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ [البقرة: 216])).
@ حكمه الشرعي: الجهاد فرض كفاية على المسلمين؛ أي إذا قام به البعض سقط التكليف عن الباقين. إلا أنه يصبح فرض عين على كل مسلم في إحدى الحالات التالية:
(1) أن يحضر المكلف صف القتال، لقوله تعالى ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفاً فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ [الأنفال: 15])).
(2) إذا هجم العدو على البلد الذي يقيم فيه، قال تعالى ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ قَاتِلُواْ الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ [التوبة: 123])).
(3) إذا دعاه الحاكم إلى الانضمام لصفوف المقاتلين، أو سمع الدعوة إلى النفير العام، قال تعالى ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً [النساء: 59])).
@ أهداف الجهاد الإسلامي:
تبليغ
دعوة الله إلى الناس وتأمين وصولها إليهم دون عائق، قال تعالى ((هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ
لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ [التوبة: 33] ))
وقوله تعالى ((وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ
فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ فَإِنِ انتَهَواْ فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ
عَلَى الظَّالِمِينَ [البقرة: 193])).
الدفاع
عن النفس والعرض والمال والأمة عند الاعتداء عليها قال تعالى ((وَقَاتِلُواْ
فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ
لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ [البقرة: 190] ))،
وقوله صلى الله عليه وآله وسلم " من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون
دينه فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد “.
@ نظرة الإسلام للجهاد: تتجلى في الأمور التالية:
¬ أنه من مقتضيات الإيمان ، والتصور الإسلامي للكون والحياة والإنسان : فالمؤمن بإيمانه قد أقر بقلبه ولسانه أن لا إله إلا الله ، وأن محمداً نبيه ورسوله ، وكل واحدة من هاتين الشهادتين تلقي على عاتق صاحبها مسئولية الدعوة إلى الله والجهاد في سبيله .
¬ أنه علامة على صدق الإيمان: فإن حلاوة الإيمان إنما تتحقق بحب الله وحب رسوله، قال تعالى ((وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللّهِ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبّاً لِّلّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ [البقرة: 165] )) وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم " لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين ". وعلامة حب الله ورسوله، الجهاد في سبيل الله، والدعوة إلى دينه، وموالاة المؤمنين، قال تعالى ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [المائدة: 54] )).
¬ أنه شرط لتمام الإيمان وكماله: لأنه لا يتم إيمان العبد إلا بإتباع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، قال تعالى ((قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [آل عمران: 31]))، فلا يكتمل إيماننا حتى نحب الله، ولن يكون ذلك حتى نحب رسوله، ولن نتبع رسوله حتى ندعو إلى دين الله ونضحي في سبيله.
¬ أنه وقاية للإيمان من الضعف وغذاء وتنمية له: فالمؤمنون بالله لا يجوز أن يوجهوا قلوبهم إلى غيره سبحانه، ولا يقبل الله منهم أعمالهم إن لم يكن مقصودا بها، فقد قال سبحانه ((قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ [التوبة: 24] )).
@ فضل الجهاد في سبيل الله:
للجهاد فضائل كثيرة منها: قال صلى الله عليه وآله وسلم:
* " رأس الأمر الإسلام و عموده الصلاة وذروة سنامه الجهاد “.
* " من اغبرت قدماه في سبيل الله حرمه الله على النار “
* " عينان لا تمسهما النار، عين بكت من خشية الله وعين باتت تحرس في سبيل الله "
* " تضمن الله لمن خرج في سبيله لا يخرجه إلا جهاد في سبيلي، وإيمانا بي وتصديقا برسلي، فهو على ضامن أن أدخله الجنة أو أرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه نائلا ما نال من أجر أو غنيمة “.
* " من مات ولم يغزُ أو يحدث نفسه بغزو مات على شعبة من النفاق “.
* ( أي الأعمال أفضل ؟ ) قال " إيمان بالله ورسوله، ثم جهاد في سبيله " قيل ثم ماذا ؟ قال " حج مبرور “.
@ أنواع الجهاد:
إن الجهاد في الإسلام أنواع متعددة فمنه:
(1) جهاد النفس: ويكون بقهر النفس على التحلي بالمكارم، والتخلي عن الرذائل، وتعلم أمور الدين، والسير على منهج خير المرسلين، والعمل بأحكام شريعة رب العالمين؛ لأنه سبحانه هو الذي خلقها، وهو أعلم بما يصلحها ومن أنواع جهاد النفس:
* جهادها على التعلم.
* جهادها على العمل.
* جهادها على الدعوة في سبيل الله.
* جهادها على الصبر على مشاق الدعوة.
(2) جهاد الشيطان: يكون بدفع ما يأتي من الشبهات وما يزينه من الشهوات، وما يحثه من وساوس، وقد ذكر الشيطان في كتاب الله كثيرا، تحذيرا منه، وحثا على جهاده، وبيانا لأساليبه مع العباد في الصد والغواية، فقد جاء بصيغة المفرد في سبعين آية، وبصيغة الجمع في ثماني عشرة آية؛ وفي هذا دلالة بالغة على خطورة هذا العدو على الإنسان، ووجوب الحذر منه، ومجاهدته، فقد قال تعالى ((إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ [فاطر: 6])).
(3) جهاد الكفار: هذا النوع من الجهاد هو أسمى درجات الجهاد وأرقاها، لأنه يكون بالنفس والمال واللسان، وقد بين الله حقيقة موقف الكفار من المؤمنين وهو أعلم بخلقه، قال تعالى ((... وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَـئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة: 217])) مما يدل على أن العدوان طبيعة فيهم، وليس مجرد أمر عارض، ولهذا كان جهاد الكفار فرضا على المؤمنين، ولقد جاهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الكفار من أول بعثته إلى أن توفاه الله، حسب خطة موحى بها من عند الله، قال تعالى ((... وَقَاتِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ [التوبة : 36])) .
(4) جهاد المنافقين: هذا الصنف من الأعداء، أخطر من غيرهم على دعوة الإسلام، ودولة المسلمين، لخبث أساليبهم، ووصولهم إلى مواقع بين صفوف المسلمين، وهم يتظاهرون بالإسلام، ويبطنون الكفر في أعماقهم، وينتهزون الفرص لمحاربة الإسلام، لذا كان جهادهم من ألزم الجهاد على المؤمنين.
وقد بلغ ما خصص للحديث عنهم ما يقارب عشر القرآن الكريم، ونزلت سورة بكاملها فيهم سميت باسمهم، قال تعالى ((يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ [التوبة: 73] )).
(5) جهاد الظالمين والفاسقين: وهذا الجهاد يكون تارة باللسان وتارة باليد، وتارة بالقلب، وهذا الواجب العظيم هو واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو الوظيفة الربانية التي اختص الله بها الأمة الإسلامية بين أهل الأرض جميعا، فإن قامت بها على الوجه الذي يرضي ربها، حازت على شهادة الخيرية على كل الأمم، وتأهلت لقيادة البشرية كلها في طريق الإيمان قال تعالى ((كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ [آل عمران: 110]))، قال عليه الصلاة والسلام " إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه “.
@ التحذير من ترك الجهاد: لقد حذر الإسلام من ترك الجهاد أو إهماله، لأن به حياة الأمة، وإقامة الدين، وإعلاء كلمة الله، ولهذا اعتبر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، ترك الجهاد خروجا من الدين نستحق عليه الذل والهوان والعذاب فقال صلى الله عليه وآله وسلم " إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم “ ويعني ذلك: أننا إذا كان اهتمامنا بشؤوننا الحياتية فقد من بيع وشراء وتجارة وتربية ماشية وزرع، وتركنا الجهاد سلط الله علينا ضعفا وامتهانا لا يرفعه حتى نعود إلى ديننا وتطبيقه كنظام لحياتنا، وكذلك عمنا الله بالعذاب النفسي والجسدي في الدنيا والآخرة والعياذ بالله.
وإلى هنا ينتهي المقرر أتمنى لجميع أبنائي الطلبة التوفيق والنجاح في حياتهم العلمية والعملية
وأسأل الله الواحد الأحد الفرد الصمد أن يوفقهم في الامتحانات النهائية في جميع المقررات آمين.
مدرس المقرر: أ. ياسر الجودر
مدرسة مدينة عيسى الثانوية التجارية للبنيين